فهرس الكتاب
فكلهم تسللوا، وما بقي مع رسول الله إلا ثلاثمئة, عند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يمر بنا واحدًا واحدًا، حتى أتى إليّ, وما علي شيء يقيني من البرد إلا مرط لامرأتي، المرط يعني ثوب مثل عباءة غير مخيط مجرد قطعة قماش، لا يجاوز ركبتي، فاقترب مني وأنا جاثٍ على الأرض, وقال: (( من هذا؟ قلت: حذيفة، فتقاصرت, وتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع والبرد، فالمقاتل قد تتلف أعصابه، قلت: نعم يا رسول الله، فقال: إنه كائن في القوم خبرٌ أريد حقيقته فتسللْ إلى عسكرهم وائتني بخبرهم، والنبي قد ربى رجالًا, قال: فخرجت وأنا من أشد الناس جزعًا، وأكثرهم فزعًا، وأكثرهم بردًا، والنبي عليه الصلاة والسلام رحيم حقًا لكن لا بد من هذا الموقف, فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم أحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته, فدعاء النبي لا يرد، قال: فو الله ما تمت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام, حتى أنتزع الله من جوفي كل ما أودعه فيه من خوفٍ، وأزال عن جسدي كل ما أصابه من برد, فلما وليت ناداني عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
(سورة التوبة الآية: 128)
قال: يا حذيفة, لا تُحدثَن بالقوم شيئًا, فقلت: نعم، ومضيت أتسلل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين، وصرت كأني واحد منهم، وما هو إلا قليل حتى قام أبو سفيان فيهم خطيبًا، وقال:
يا معشر قريش, إني قائل لكم قولًا: أخشى أن يبلغ محمدًا فلينظر كل رجل منكم إلى جليسه, قال: فما كان مني إلا أخذت بيد الرجل الذي كان بجانبي, وقلت له: من أنت؟ فلو تأخر حذيفة لأنكشف، قال: أنا فلان، وهنا قال أبو سفيان: