فهرس الكتاب
أنا في أول عمرة أكرمني الله بها ذهبت إلى هذا المسجد، أمامه ساحة، وفي وسط هذه الساحة نصب عمود, وفوق العمود كرة من البلور مكتوب عليها طلع البدر علينا، سمعت هذا النشيد بالشام عشرات، بل مئات, بل ما يقترب من ألوف المرات، لكن ما شعرت بنشوة، ولا هزة انفعالية إلا حينما رأيت المكان الذي وقف فيه أصحاب النبي يستقبلونه عليه الصلاة والسلام، في هذا المكان وقفوا واستقبلوه، وقالوا: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع, فكانوا الأنصار يعترضون الناقة، ناقة رسول الله في مسيرها، ويقولون: أقم عندنا يا رسول الله، أقم عندنا في العَدد والمنعة, نحن أقوياء, نحن رجال كثر، وعندنا أسلحة كافية، ونمنعك من عدوك، هذا عرض مغرٍ.
في الحقيقة, القيادة عمل فذ، فليس كل إنسان يكون قائدًا، القائد عندما ينحاز لبعض الأطراف, ويهمل بعضها الآخر، فعندئذ يقع في مشكلة كبيرة، من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ما من واحد من أصحابه إلا وهو يظن أنه أقرب الناس إليه، فلو أنه أختار اللهم صل عليه بيتًا من البيوت تنشأ حساسيات، وتنشأ غيرة, بل أن النبي وقف موقف حكيم جدًا فالحكمة هي أحد مستلزمات القيادة, فقال: (( كلما اعترض هذه الناقة أسياد الأنصار, وقالوا: يا رسول الله, أقم عندنا في العَدد, والعُدد، والمنعة، يقول لهم: دعوها فإنها مأمورة، اتركوها فإنها مأمورة ) ).
فالنبي الكريم علمنا القرعة، القرعة ما لها مشكلة، إذا جرى تنازع بين أفراد وهم بدرجة واحدة بالنسبة لك، تحبهم جميعًا وتنازعوا على شيء، كأن يكون لك أولاد, وأنت مدعو إلى سهرة, أو مدعو إلى عقد قران، الأنسب أن تأخذ واحدًا فقط، واخترت واحدًا, وغيره أهملته, تنشأ مشكلة، فأقرع بينهم, فالقرعة تطيب بها النفوس.