الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، معنى دان؛ يعني ضبط نفسه، ضبط سمعه، ضبط بصره، ضبط لسانه، ضبط ما يدخل في بطنه، ضبط حركة يده, ضبط حركاته وسكناته، ضبط قلبه مما سوى الله، ضبط فكره أن يعمل لغير الله، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
إذا: الجاهل مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَوَاهَا، دائمًا مع هوى نفسه، مع نزواتها، كلام العوام، الله يعفو عنا، بلوى عامة يا أخي، الله يتوب عليّ يا سيدي، ما لنا غير عفوه وكرمه, هذه كلها زعبرة.
هجرته وزوجه إلى الحبشة:
أيها الأخوة, لكن الكفار ضيّقوا على أصحاب النبي، وشددوا عليهم، وأحكموا عليهم الخناق، وقاطعوهم، ونكلوا بهم وعذبوهم، إلى درجة أن حياة المؤمنين في مكة صارت لا تطاق.
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو الحريص على أصحابه, الحريص على سلامتهم، الحريص على راحتهم، أمرهم بالهجرة إلى بلد فيها ملك صالح, فاستأذن سيدنا جعفر بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر مع زوجته، ونفرٌ من الصحابة إلى أرض الحبشة، فأذن لهم وهو حزين.
أؤكد لكم كيف أن أصحاب النبي أحبوا النبي، وهو بادلهم حبًا بحب، يعني كان يتمنى عليه الصلاة والسلام أن يبقوا إلى جانبه، لكنها مشيئة الله، نرجو الله أن نكون من هؤلاء، تجد أخًا يرغب في أن يسافر، و المصلحة أن يسافر، يأذن له أبوه أن يسافر، لكن قلبه يتفطر، يتمنى أن يبقى إلى جانبه، هذا الشيء طبيعي بين المؤمنين، المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم.
مضى ركب المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة وعلى رأسهم جعفر, منذ أن أسلموا لم يذوقوا طعم الأمن، لكنهم حينما هاجروا إلى هذه الأرض ذاقوا حلاوة الأمن، واستمتعوا بحلاوة العبادة، فليس هناك كفار يستفزونهم، ولا مشركون يضيقون عليهم الخناق.