وتتابع أم سلمة تقول: أرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين، وانتقت قريش أذكى رجلين، وأقوى رجلين، وأكثرهم دهاءً، هما عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وبعثت معهما بهدايا كثيرة إلى النجاشي ولبطارقته مما كانوا يستظرفونه من أرض الحجاز، ثم أوصتهما بأن يدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن يكلما ملك الحبشة، حتى إذا أراد ملك الحبشة أن يحكم وأراد أن يستشير البطاركة، يكونون كلهم قد قبضوا الثمن آخذين الهدايا الثمينة، فيقولون: والله يا سيدي علينا أن نطردهم، هكذا المصلحة.
قالت: فلما قدما الحبشة لقيا بطارقة النجاشي ودفعا إلى كل بطريق هديته، فلم يبقَ أحد منهم إلا أهديا إليه, وقالا له: إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا, قال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}
(سورة البقرة الآية: 11 ـ 15)
إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبؤوا عن دين آبائهم وأجدادهم، وفرقوا كلمة قومهم، فإذا كلمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، من دون أن يسألهم عن دينهم, فإن أشراف قومهم أبصر بهم، واعلم بما يعتقدون, (وكل ما ورد في هذه الساعة برواية أم سلمة) .