فهرس الكتاب
قالت أم سلمة: ثم ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعا بطاركته، فجلسوا عن يمينه وعن شماله، وقد لبسوا طيالستهم, واعتمروا قلانسهم، ونشروا كتبهم بين أيديهم, فلما استقر بنا المجلس، التفت إلينا النجاشي وقد توجه إلينا، وقال: ما هذا الدين الذي استحدثتموه لأنفسكم, وفارقتم بسببه دين قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أي من هذه الملل؟ تقدم منه جعفر بن أبي طالب, وقال أيها الملك:
كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه, وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وقد أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، وحقن الدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئًا، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فأحللنا ما أحل لنا، وحرمنا ما حرم علينا، فما كان من قومنا أيها الملك, إلا أن عَدَوا علينا، فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا, وقهرونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك, ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك, ما هذه البلاغة؟ هذا توفيق الله عز وجل، إذا كان الله معك فمن عليك.
قالت أم سلمة: فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب، وقال له: هل معك شيءٌ مما جاء به نبيكم عن الله، قال: نعم، قال: فاقرأه عليّ، فقرأ، وقد انتقى له سورة مريم: