فهرس الكتاب
وفي موقف آخر, تفقد النبي صحابيًّا جليلًا، فاتَّهمه أحدهم أنّه شغلته دنياه، فقال أحد أصحاب رسول الله: واللهِ يا رسول الله, لقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبًا لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدوًا ما تخلفوا عنك).
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي (يعني تألمت، وإذا سألني النبي: لماذا تخلفتَ يا كعب؟ فبماذا أجيبه؟) فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ, وَأَقُولُ بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَايٍ مِنْ أَهْلِي, (ماذا أقول له؟ ما الذي شغلني عنك يا رسول الله؟) , فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا, زَاحَ عَنِّي الْبَاطِل, حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا, فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ (أيْ اتخذ قرارًا حكيمًا أن يصدقه) , وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا, وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ, بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ, فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ
(أراد شخصٌ يومًا أن يسافر لأداء فريضة الحج، ومعه مبلغ من المال، وحار أين يضعه؟ فدخل إلى المسجد, وتوسّم في المصلين، فرأى أحدهم أشدَّهم خشوعًا، يصلي ويغمض عينه، وصلاته متقنة، فبعد أن انتهى من صلاته، قال له: والله أعجبتني صلاتك، وعندي أمانة أريد أن أضعها عندك إلى أن أعود من الحج، فقال له: وأنا صائم أيضًا، قال له: واللهِ صيامك لم يعجبني.
أحيانًا الإنسان يكشف نفسه، فهؤلاء حلفوا أيمانًا، ولم يستحلفهم النبي، وقدّم كل واحد منهم عذرًا، فقَبِلها فالنبي منهم).