فهرس الكتاب
هل خفف النبي جفوته لأبي سفيان حينما ضاق عليه الأمر من هذا البعد عنه؟
قال: (( ولما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالجحفة, جلست على باب خيمته، ومعي ابني جعفر قائمًا، فلما رآني النبي وهو خارج من منزله، أزاح عني بوجهه، أعوذ بالله، لا أمل لي، فلم أيئس من استرضائه، وجعلت كلما نزل بمنزل اجلس على بابه، وأقيم ابني جعفرًا واقفًا بحذائي، فكان إذا أبصرني أعرض عني، وبقيت على ذلك زمانًا، فلما اشتد علي الأمر وضاق، قلت لزوجتي: والله ليرضين عني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن هائميْن على وجوهنا في الأرض حتى نموت جوعًا، -ما عاد يحتمل الصد, والبعد، والجفاء، لا يحتمل أنْ يواجهه به نبي كريم، وكل الأصحاب سعداء بصحبته، سعداء بقربه، سعداء بخدمته، والنبي معرض عني- قال: فلما بلغ ذلك رسول الله، رق لي، ولما خرج من قبته نظر إليَّ نظرًا لكن ألين من النظر الأول وكنت أرجو أن يبتسم فلم يبتسم.
-وبصراحة أقول لكم: ابتسامة من رسول الله في وجهك تعدل الدنيا وما فيها، فكيف إذا قال النبي لأحد أصحابه: والله يا معاذ إني لأحبك، ارم سعد فداك أبي وأمي، هذا خالي أروني خالًا مثل خالي؟ إذا داعب النبيُّ إنسانًا، وهش في وجهه وبش، واللهِ هذه سعادة ما بعدها سعادة، وهذا يعني أنّ الله راضٍ عنه، لأنّ رضى النبي مِن رضى الله عز وجل, قال الله:
{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}
(سورة التوبة الآية: 62)
ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، فدخلت في ركابه، وخرج إلى المسجد فخرجت اسعى بين يديه، لا أفارقه على حال )) قال الشاعر:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا