فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 800

المؤمن في سعادة، واللهِ لا تستطيع سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة أن تصرفاه عنه، قال له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ قال: لا والله لا أحب أن أكون في بيتي وأهلي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، ماذا فعل هذا الصحابي الجليل؟ قال: أقبل على كتاب الله يقرؤه ليلًا ونهارًا، ويتفقه في أحكامه، ويتملى من عظاته، وأعرض عن الدنيا وزهرتها، وأقبل على الله بكل جارحة من جوارحه، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ذات يومٍ يدخل المسجد, فقال لعائشة رضي الله عنها: (( يا عائشة, أتدرين مَن هذا؟ قالت: لا والله، قال: إنه ابن عمي أبو سفيان، انظري إليه إنه أول من يدخل المسجد, وآخر من يخرج منه، ولا يفارق بصره شراك نعليه أبدًا ) ).

ولما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان حزن الأم على وحيدها، لا على ابنها، بل على وحيدها، وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه، ورثاه بقصيدة، فهو شاعر، فهذه مناسبة تجود بها القرائح الشعرية، ورثاه بقصيدة من أَرَقِّ المراثي، تفيض لوعةً وشجونًا، وتذوب حسرة وأنينًا.

وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه أحسّ أبو سفيان بدنو أجله، فحفر قبره بنفسه، ولم يمض على ذلك غير ثلاثة أيام حتى حضرته الوفاة، كأنه مع الموت على ميعاد، فالتفتَ إلى زوجته وأولاده وأهله وهم يبكون حوله، ماذا قال لهم: لا تبكوا علي، ولا تحزنوا، فو الله ما تعلقت بخطيئة منذ أسلمت؟ فهو مطمئن، هكذا فليكنِ المؤمن، تربية النبي كانت راكزة، رباه تربية توبة.

أنا أعتقد والله أعلم أنّ النبي من أول لقاء فرح بإسلامه، لكن باعتبار عشرين سنة عداء، فمَن أخذ البلاد من غير حرب يهُنْ عليه تسليمها، وحتى رضي عنه مضتْ فترة طويلة، ثم فاضت روحه الطاهرة فصلى عليه الفاروق نفسه، وحزن لفقده هو وأصحابه الكرام, وعدوا موته جللًا حل بالإسلام وأهله.

ما هي المغزى التي نستنبطها من قصة هذا الصحابي الجليل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت