فهرس الكتاب
فهذه بدر يشهدها أبو سلمة ويعود منها مع المسلمين، وقد انتصروا نصرًا مؤزرًا، وهذه أُحُد يخوض غمارها بعد بدرٍ، ويبلي فيها أحسن البلاء وأكرمه، لكنه يخرج منها وقد جرح جرحًا بليغًا، فما زال يعالجه حتى بدا له أنه قد اندملتْ، لكن الجرح قد اندمل على فساد، فما لبث أن انتكأتْ، ولزم أبو سلمة الفراش، وفيما كان أبو سلمة يعالَج من جرحه، قال لزوجته: (( يا أم سلمة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول: لا يصيب أحد مصيبة فيسترجع عند ذلك فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه، اللهم اخلفني خيرًا منها إلا أعطاه الله عز وجل ) )هذا كلام النبي الذي لا ينطق عن الهوى.
قالت: (( ظل أبو سلمة على الفراش مريضًا أيامًا، وفي ذات صباحٍ جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ليعوده، فلم يكد ينتهي من زيارته ويجاوز باب داره حتى فارق أبو سلمة الحياة، فرجع النبيّ وأغمض عينيه بيديه الشريفتين، ورفع طرفه إلى السماء, وقال: اللهم أغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المقربين، واخلفه في عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، -هذا دعاء النبي لأبي سلمة, وقد توفاه الله عز وجل، وأفسح له في قبره، ونوِّرْ له فيه-.