ولما اشتد نزاع النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش، فكَّروا في إشغال النبي عن دعوته بشيء، فأراد كفارُ مكة أن يغيظوا النبي، وأن ينالوا منه، وأن يحمِّلوه فوق طاقته، فقالوا: ويحكم إنكم قد حملتم عن محمد همومه بتزويج فتيانكم من بناته، فلو رددتموهن إليه لانشغل بهن عنكم، طلقوا بناته، حينما كنت أقول: إن النبي ذاق كل مرارةَ، واللهِ لقد غاب عن ذهني أن بناته قد طُلِّقن، فالأب إذا كان طلقت ابنته كان مصابُه عظيمًا، فهاجر من مكة إلى المدينة، وذاق اليتم، وذاق الفقر، وذاق موت الولد، وذاق تطليق بناته من أصهاره، قالوا: واللهِ نِعْمَ الرأي ما رأيتم، والكافر حيثما قدَرَ على الأذى يتهلل وجهه، حيثما قدَر على إيقاع الضرر بالآخرين تجده نشيطًا، أمّا إذا دعوته إلى عمل صالح تراه كسولا، ومَشَوْا إلى أبي العاص، وقالوا له: فارقْ صاحبتك يا أبا العاص، وردَّها إلى بيت أبيها، ونحن نزوجك أي امرأة تشاء من كرائم عقيلات قريش، هناك أشخاص حتى الآن إذا تزوج ابنه من مؤمنة، يقول له أبوه: فارقها ونحن نزوجك غيرها، لا لشيء إلا لأنها مؤمنة، وهذا الموقف الأخلاقي الذي وقفه، فقال: لا والله إني لا أفارق صاحبتي.
يا أيها الإخوة الأكارم, أي إنسان يضايق زوجته بخصومة بينه وبين أهلها، فهذا إنسان دون الخط الأحمر، أشخاص كثيرون، لهم زوجات صالحات، زوجات مخلصات، زوجات طائعات، لأن خلافًا نشأ بينه وبين أخيها، أو بينه وبين أبيها، يهددها بالطلاق, أهذه هي المروءة؟ ماذا فعلت معك؟ قال تعالى:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}
(سورة فاطر الآية: 18)