كان أبو العاص صادقًا، وفيًا، فما كاد أبو العاص يبلغ مكة بعد فكِّ أسْره حتى بادر إلى الوفاء بعهده، فأمر زوجته بالاستعداد للرحيل، وأخبرها بأن رسل أبيها ينتظرونها غير بعيد عن مكة، وأعد لها زادها وراحلتها، وندب أخاه عمرو بن الربيع لمصاحبتها وتسليمها لمرافقيها يدًا بيد، تنكب عمرو بن الربيع قوسه وحمل كنانته, الكنانة جعبة السهام، وجعل زينب في هودجها، وخرج بها من مكة جهارًا نهارًا على مرأى من قريش، فهاج القوم وماجوا، ولحقوا بهما حتى أدركوهما غير بعيد، وروَّعوا زينب، وأفزعوها، عند ذلك هيَّأ عمرو قوسه، ونبل نبله، ونشر كنانته بين يده، وقال: واللهِ لا يدنو رجلٌ منها إلا وضعت سهمًا في نحره، وكان راميًا لا يخطئ له سهمٌ، فأقبل عليه أبو سفيان بن حرب، وكان قد لحق بالقوم، وقال له: يا ابن أخي, كفَّ عنا نبلك حتى نكلمك، فكفّ عنهم، فقال له: إنك لم تصب فيما صنعت, أي لم تكن على صواب، كنت مخطئًا، لماذا؟ لأنك حملت زينب في هودجها جهارًا نهارًا على مرأى من قريش, وهذا بعد موقعة بدر حيث سالتْ دماء صناديدهم، وبرَزتْ حساسيات بالغة.
فلقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس ومرأى مِن عيونهم، وقد عرفت العربُ جميعها أمرَ نكبتها في بدر، وما أصابها على يد أبيها محمد، فإذا خرجت بابنته علانية كما فعلت، رمتنا القبائل بالجبن، ووصفتنا بالهوان والذل، فارجع بها، واستبقِها في بيت زوجها أيامًا، حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها، فسُلَّها من بين أظهرنا سرًا، وألحقها بأبيها، فما لنا بحبسها عنه حاجة، لكن ليس على مشهد مِن الناس، فرضي عمرو بذلك، وأعاد زينب إلى مكة، ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلًا بعد أيام معدودات، وأسلمها إلى رسل أبيها يدًا بيد، كما أوصاه أخوه، وفُرِّق بين زوج وزوجته بحكم الله عز وجل.