فهرس الكتاب
أقام أبو العاص بمكة بعد فراق زوجته زمنًا حتى إذا كان قبيل الفتح بقليل خرج إلى الشام في تجارة له، فلما قفل راجعًا إلى مكة ومعه عيره التي بلغت مئة، ورجاله الذين نيفوا على مئة وسبعين بزرت له سرية من سرايا الرسول عليه الصلاة والسلام قريبًا من المدينة، فأخذت العير، وأسرت الرجال، لكن أبا العاص أفلَتَ منها فلم تظفر به، وأُلقِي القبض على مئة وسبعين رجلًا من أتباع أبي العاص أسرى في يد السرية، وصودرت القوافل، وأصبحت غنائم في أيدي المسلمين، لكن أبا العاص نجا من الأسر، فلما أرخى الليل سدوله، استتر أبو العاص بجنح الظلام، ودخل المدينة خائفًا يترقب، ومضى حتى وصل إلى زينب، زوجته، واستجار بها، فأجارته.
ولما خرج النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر، واستوى قائمًا في المحراب، وكبّر للإحرام، وكبّر الناس بتكبيره، صرخت زينب، وقالت: (( أيها الناس, أنا زينب بنت محمد، وقد أجرتُ أبا العاص، فأجيروه، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة التفت إلى الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم يا رسول الله, قال: والذي نفسي بيده ما علمتُ بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتموه, -البيان يطرد الشيطان، هكذا علّمنا النبي، قد يظنون أن ثمة اتفاق بين سيدنا رسول الله وزينب، أنه لما أصلي فقولي: قد أجرته، فبيَّن النبي وأزال الشبهة، فقد بيَّن الحقيقة من غير لبس.
فإذا كان الإنسان في موقف حرِج يستدعي سؤالًا وجوابًا، فعليه أنْ يبيِّن، ويوضِّح، هذه قاعدة أساسية، البيان يطرد الشيطان.