فهرس الكتاب
هي القصة تنسحب على آلاف الحالات، كنتَ مع صديقك في نزهة، والمصروف مشترك، يقول أحدكما للآخر: ليس لك ولا عليّ شيء، فالحساب كان مناصفة بيني وبينك، بَيِّنْ له المدفوعات والمقبوضات كلها، لكن من دون بيان، يجري في القلب شيءٌ، فوضِّح الحساب، وإنْ تأخرتَ فَبَيِّن السبب، البيان يطرد الشيطان، في التعامل، في العلاقات الاجتماعية، في الشراكة، في الزواج، بيِّنْ ما الذي دفعك إلى هذا الموقف، فإنْ لم تبيِّن أساء الناسُ الظنَّ بك، فوقعتْ العداوة والبغضاء-.
ثم انصرف إلى بيته، ولم يقل ابنتي أشرفُ بنتٍ على الأرض، بل قال: وإنه يجير من المسلمين أدناهم، -فلم يرفعها إلى أعلى درجة، لأنها ابنته فقط، وعبارتُه تفيد أنّه عدَّها من أدنى المسلمين، وأدنى المسلمين يجير أعلاهم، انتبهوا إلى نصيحة النبي- قال: يا بنيتي، أكرمي مثوى أبي العاص، واعلمي أنك لا تحلِّين له، ثم دعا رجال السرية التي أخذت العير، وأسرت الرجال وقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أخذتم ماله، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له كان ما نحب, -أيْ أنا يسرني أن تعيدوا له البضاعة والأحمال والرجال، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم، وأنتم به أحق، هكذا يكون الموقف الصحيح، انظُرْ إلى أسلوبِ التعليم في أحسن صوره.
أحيانًا قد تطلب من شخص أنْ يبيع حاجة بلا ثمن لصاحبك، هذا تطاول، ولكن قل له: إذا راعيته أكون لك من الشاكرين، فالنبي عليه الصلاة والسلام خبير بحقائق النفس البشرية، والصحابة طابت نفوسهم بهذا التواضع، وهذه الاستشارة- فقالوا جميعًا: بل نرد عليه ماله يا رسول الله )) كما تريد، وكما تحب، هنا الموقف الأخلاقي, قالوا: (( يا أبا العاص, إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله وصهره، فهل لك أن تُسْلِم، ونحن ننزل لك عن هذا المال كله، فتنعم به، وبما معك من أموال أهل مكة، وتبقى معنا في المدينة؟ -وهذا حكمٌ شرعي، إليكم بيانُه.