فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 800

على كلٍ, عودة إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم سرى نبأُ هجرته في مكة كان نبأ غريبًا، أن محمدًا قد بارح مكة، مستترًا بجنح الظلام، فلم يصدِّق زعماء قريش النبأ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه، حتى أتوا منزل أبي بكر، فخرجت إليهم ابنته أسماء، قال لها أبو جهل: أين أبوك يا بنت؟ قالت: لا أدري أين هو الآن؟ فرفع يده ولطم خدها لطمة أهوت بقرطها على الأرض، وصار يغلي غضبًا، يعني كلهم يظنون أن محمدًا في قبضتهم، وأنه بالتعبير الحديث الورقةُ الرابحة التي في أيديهم، فجأةً غادر هذا النبي الكريم مكةَ المكرمة، انطلق زعماء قريش في كل اتجاه، يبحثون عن محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن أيقنوا أنه غادر مكة، وكان عند العرب قفاةٌ للآثار, أي خبراء، فتتبَّع قُفاةُ الآثارِ آثارَ النبي فوصلوا من خلال آثاره إلى غار ثور، مكان اختباء النبي وصاحبه الصدِّيق، قال خبراء الآثار حينما وصلوا غار ثور: والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار، ولم يكن هؤلاء مخطئين فيما قالوه لقريش، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه داخل الغار، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما.

ماذا نستنبط من فعل النبي أثناء هجرته من مكة إلى المدينة , وما الفرق بين جزاء التقصير وبين القضاء والقدر؟

ونحن هنا أمام مجموعة استدلالات دقيقة جدًا، ونحن كمسلمين في أشد الحاجة إليها، والنبي الكريم حينما هاجر من مكة إلى المدينة، أخذ بكل الأسباب، فسار مساحلًا, عكس الطريق المألوف إلى المدينة، خرج في جنح الظلام، عيَّن رجلًا يمحو الآثار، رجلًا يتتبع الأخبار، وشخصًا يأتيه بالزاد، فما من ثغرةٍ إلاَّ وسدَّها، وما من احتياط إلا وغطاه، ما من خطة إلا وأحكمها، ومع ذلك وصل كفار قريش إلى الغار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت