فهرس الكتاب
بالمناسبة لن يكون خرق العادات إلا بعد الأخذ بالأسباب، فأي إنسان قال: أنا مؤمن والحمد لله وهؤلاء كفار، الله لا يحبهم، إنه يحبني وحدي، هو سينصرني عليهم من دون أن أفعل شيئًا، هذا هو الغباء بعينه، وهذه هي المعصية بعينها، وهذا هو الجهل بعينه، إن أخذت بالأسباب ولم تكفِ الأسباب خَرَق الله لك العادات، فإن لم تأخذ بها دفعتَ الثمن باهظًا.
لذلك كنت أقول دائمًا هذه العبارة وأنا أتأثر بها: إن بعض المصائب التي تصيب المسلمين، بعضها يسمى جزاء التقصير، وبعضها يسمى قضاءً وقدرًا، فإن أخذت بكل الأسباب، وانتهت مهمتك وجاء شيءٌ فوق إرادتك، وفوق قدرتك فهذا هو القضاء والقدر، أما إن لم تأخذ بها، وجاء مكروه فإياك أن تسمِّيه قضاءً وقدرًا، هو قضاء وقدر، ولكن سمِّهِ جزاء التقصير، وهو مرض يعاني منه المسلمون اليوم، ما أسعفوا المريض, يقولون لك: جاء أجله، هكذا كتب الله له، هذا الذي قصّر في إسعافه ينبغي أن يحاسَب كقاتل، فلا تُدخِل القضاء والقدر في تقصير المسلمين، أهملنا العلاج فتفاقم المرض، أمّا كلام العوام، وكلام الجهلاء، وكلام السخفاء فمردود.
هل يدل فعل النبي وهو في الغار والمشركون على بابه على أنه مشاعر إنسانية أم هي مشاعر تدل على الإيمان واليقين بالله؟
سيدنا الصديق لما رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار دمعت عيناه، وفي روايات تفصيلية أن قطرةً من دمع الصديق وقعت على يد النبي، فانتبه النبي وقال: (( أتبكي يا أبا بكر؟ قال: واللهِ ما على نفسي أبكي، -وهو صادق- ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهًا يا رسول الله, -أنا واحد، لكنْ أنت أمة.
مرة سيدنا أبو حنيفة رأى طفلًا على مقربةٍ من حفرة، فقال: (( يا غلام إياك أن تسقط، كان هذا الطفل ذكيًا ونبيهًا، فقال: أنت يا إمام إياك أن تسقط، أنا إن سقطتُ سقطتُ وحدي، وأنت إن سقطت سقط معك العالَم ) ).