فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 800

من السذاجة أن تظن أن الله يسلِّم أولياءه إلى أعدائه، ومن الحمق، ومن الغباء، وكان سراقة بن مالك فارسًا من فرسان قومه، طويل القامة، عظيم الهامة، بصيرًا باقتفاء الأثر، من خبراء الآثار، صبورًا على أهوال الطرق، وكان إلى ذلك أريبًا، لبيبًا، شاعرًا، وكانت فرسه من عتاق الخيل، مضى سراقة يطوي الأرض طيًا، لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه وسقط عن صهوتها، فتشاءم، وقال: (( ما هذا؟ تبًا لكِ من فرس، وعلا ظهرَها، غير أنه لم يمضِ بعيدًا حتى عثرت به مرةً أخرى، فازداد تشاؤمًا، وهمَّ بالرجوع، فما ردّه عن همّه إلا طمعه بالنوق المئة، فلم يبتعد سراقة كثيرًا عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمدًا وصاحبه، فمدَّ يده إلى قوسه، ولكن يده جمدت في مكانها، -اليد بيد مَن؟ بيد الله.

ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض، شيء غريب! فدفع الفرس فإذا هي قد ساختْ ثانيةً في الأرض، كأنما سمرت بمسامير من حديد- فالتفت إلى النبي وصاحبه, وقال بصوت ضارع، وقد أدْرَك هذا الإنسان لا بعقله ولكن بفطرته أن خالق الكون مع محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الفطرة: يا هذان, ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي, -وهذا يذكِّرنا بفرعون، ماذا ادّعى؟ ادّعى بأنه إله, قال تعالى:

{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}

(سورة النازعات الآية: 24)

ولما أصيب قوم فرعون بمصائب عديدة ما كان موقف فرعون من موسى:

{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}

(سورة الأعراف الآية: 134)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت