فهرس الكتاب
لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يأكل الصدقة أبدًا, أما الهدية فيأكل منها، ويهدي بعضها, وإذا أهدى له أحد هدية أخذ منها شيئًا، وجعل باقيها لنا, أخذ حاجته، والباقي أعطاه لفقراء المسلمين- فحدثتني نفسي أن أطلب من النبي عليه الصلاة والسلام من خير الدنيا, يزوجني، وأطلب بيتًا، وأغتني به من فقر، وأغدو كالآخرين ذا مال وزوج وولد, لكني ما لبثت أن قلت: تبًا لك يا ربيعة بن كعب، إنّ الدنيا زائلة فانية، وإنّ لك فيها رزقًا كفله الله عزوجل، فلا بد أن يأتيك، والنبي عليه الصلاة والسلام له منزلة عند ربه، فلا يرد معها طلب، فاطلب منه أن يسأل الله لك من فضل الآخرة, -انظروا إلى العقل الراجح- ثم جئت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لي: ما تقول يا ربيعة؟ قلت يا رسول الله: أسألك أن تدعو لي الله سبحانه وتعالى أن يجعلني رفيقًا لك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: من أوصاك بذلك؟ قلت: لا، والله ما أوصاني به أحد، ولكنك حينما قلت لي: سلني أعطك، حدثتني نفسي أن أسألك شيئًا من خير الدنيا، ثم ما لبثت أن هديت إلى إيثار الباقية على الفانية، فسألتك أن تدعو الله لي أن أكون رفيقك في الجنة, فصمتَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام طويلًا، ثم قال: أَوَ غيرَ ذلك يا ربيعة؟ -أحيانا يقدم لك شخصٌ خدمة كبيرة جدًا، تقول له: ماذا تطلب؟ فيقول لك: ادعُ لنا, فتقول: وفّقك الله، لا تقل له ذلك، فالدعاء وارد، ونريد شيئًا آخر، لا تقبل بخدمة ثمينة إلاّ غاية ثمينة، أمّا دعاؤك فلعله وارد منه بصورة عفوية.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ, وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ, وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ, وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَاتُمُوهُ ) )