[أخرجه البخاري عن جابر في الصحيح]
شَهِدَ طلْحَةُ أُحُدًا، وثبتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يومئِذٍ، ووقاهُ بِيَدِهِ فَشُلَّتْ إصْبعاهُ، وجُرِحَ يومئِذٍ أربعًا وعشرين جِراحَةً، ويُقال: كانت فيهِ خَمْسٌ وسبْعون بين طعْنَةٍ وضَرْبَةٍ ورَمْيَةٍ، وسَمَّاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يومَ أُحُدٍ (طلْحَةَ الخَيْر) ، وسمَّاه يومَ غزْوة ذات العُشَيْرة (طلْحَةَ الفياض) ، وسمَّاه يوم حُنَيْنٍ (طلْحَةَ الجود) ، فهذه مواقف مُشَرِّفَةٌ وقفها هذا الصحابِيُّ الجليل.
أيها الأخوة, إنَّ الأحْداثَ تمْضي، والآلام تنْتهي، والمَوْتُ يُنْهي كُلّ شيءٍ، وتَبْقى المواقِفُ المُشَرِّفَة التي يسْعَدُ بها الإنْسانُ إلى الأبد، وكُلّ شيءٍ ينقضي, فاللَّذائِذُ تمْضي وتبْقى تَبِعاتُها، والمتاعِبُ تمْضي وتبْقى خَيْراتُها.
قراتُ كِتابًا عن تاريخ العَرَب, وهو كِتابٌ أدَبيٌّ مُمْتِعٌ اسْمُهُ: قَصَصُ العَرَب، فيه من القِصص المُمتِعة الشيءُ الكثير، بعد أنْ أنْهَيْتُ قِراءَته تأمَّلْتُهُ تأَمُّلًا طفيفًا, قُلْتُ: هؤلاء الذين قراتُ عنهم، الأقْوِياءُ ماتوا، والضُّعفاء ماتوا، والأغنياءُ ماتوا، والأصِحاءُ ماتوا، والمرْضى ماتوا، والأذْكياءُ ماتوا، والأغْبِياء ماتوا، والظالمون ماتوا، والمظْلومون ماتوا، وكُلُّهم تحت أطْباق الثرى؛ ماذا بَقِيَ الآن؟ بَقِيَتْ مواقِفُهُم التي سَيُحاسَبون عليها, إنْ خيرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شرًا فَشَرٌّ، ونحن لا بد من يومٍ نكون فيه تحت أطْباق الثرى، هذا الوقت, كيفَ أمْضَيْتَهُ؟ في طاعَةٍ أم في معْصِيَةٍ, ماذا فَعَلْتَ؟ وماذا أدَّيْتَ؟ وماذا قَدَّمْتَ؟ وماذا أعْطَيْتَ؟ وبِماذا ضَحَّيْتَ؟ وما الأثر الذي تَرَكْتَهُ؟.