لكنَّ الإيمان ألاَّ تقنط من رحمة الله, وألاّ تيأس من رحمة الله، قال تعالى:
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}
(سورة يوسف الآية: 110)
ربنا عزوجل يؤخر النصر، وبهذا التأخير تنكشف النفوس كلها, ثم طفق المنافقون ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة، بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة, قال تعالى:
{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}
(سورة الأحزاب الآية: 13)
حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين, عشرة آلاف مقاتل حول المدينة، وبنو قريظة بأكملها نقضت عهدها، وهي وراء ظهر النبي، والمنافقون يثبطون العزائم، ويحبطون المساعي, أعتقد أنه ما مرت الدعوة الإسلامية بمأزق أشد من هذا المأزق، قال تعالى:
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}
(سورة الأحزاب الآية: 11)
وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام تقريبًا عشرين يومًا لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، وجعل يدعوه دعاء المضطر، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى, قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَحْزَابِ, فَقَالَ: (( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ) )
[متفق عليه، أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]