وحينما لقيت ولدها قبل أن يموت بقليل, ابنها هو عبد الله بن الزبير، بُويِع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية، ودانت له الحجاز ومصر والعراق وخراسان، وأكثر بلاد الشام، لكن بني أمية ما لبثوا أن سيّروا لحربه جيشًا عرمرمًا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، فدارت بين الفريقين معارك طاحنة، أظهر فيها ابن الزبير من ضروب البطولة ما يليق بفارس كَمِيٍّ مثله, غير أن أنصاره جعلوا ينفضُّون عنه شيئًا فشيئًا، فلجأ إلى بيت الله الحرام، واحتمى هو ومن معه في حمى الكعبة المعظمة، وقبيل مصرعه بساعات دخل على أمه أسماء وكانت عجوزًا فانيةً، قد كُفّ بصرُها، وكانت سنها تزيد عن مئة، قال لها: (( السلام عليك يا أمي ورحمة الله وبركاته, قالت: وعليك السلام يا عبد الله, ما الذي أقدمك في هذه الساعة، والصخور التي تقذفها منجنيقات الحجاج على جنودك في الحرم تهز دور مكة هزًا, قال: جئت لأستشيرك, قالت: تستشيرني في ماذا؟ قال: لقد خذلني الناس, وانحازوا عني رهبة من الحجاج، أو رغبة بما عنده، حتى أولادي وأهلي انفضوا عني، ولم يبق معي إلا نفر قليل من رجالي، وهم مهما عظم جلدهم فلن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين، -لأنه ليس ثمة تكافؤ, دولة بني أمية ألقتْ بكل ما عندها من قوة لإنهاء هذه الخلافة التي ظهرت إلى جانب خلافة يزيد, ورسلُ بني أمية يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدنيا, يبدو أنه كان أصلح من يزيد- ولما جمع معاوية وجهاء القوم ليأخذ البيعة لابنه يزيد تكلم الجميع، فأثنوا على يزيد إلا الأحنف بن قيس بقي ساكتًا، فأربك بسكوته المجلس، فقال معاوية: يا أحنف، لمْ تقل شيئًا, فقال: أخاف الله إنْ كذبت، وأخافكم إن صدقت, فكان تلميحًا أبلغ من تصريح.