فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 800

قالت: (( إنما أحزن عليك يا بني لو قتلت على باطل، قال: يا أمي كوني على ثقة بأن ابنك لم يتعمد إتيان منكر في حياته، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يَجُرْ في حكمٍ، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يكن شيء عنده آثر من رضا الله عز وجل، لا أقول ذلك تزكيةً لنفسي، فالله أعلم مني بي، وإنما قلت لأدخل العزاء على قلبك يا أمي, قالت: الحمد لله الذي جعلك الله على ما يحب، وعلى ما أحب أنا, اقترب مني يا بني كي أتشمَّم رائحتك، ولألمس جسدك، فقد يكون هذا آخر العهد بك، فأكبَّ عبد الله على يديها ورجليها يوسعهما لثمًا وتقبيلًا، وأجالت هي أنفها في رأسه ووجهه وعنقه وتشمَّمَتْهُ، وقبَّلته، وأطلقت يديها تتلمس جسده، ثم ما لبثت أن ردتهما عنه، وهي تقول: ما هذا الذي تلبسه يا عبد الله؟ قال: درعي، قالت: ليس هذا يا بني لباس من يريد الشهادة، قال: إنما لبستها كي أطيب خاطرك، وأسكن قلبك، قالت: انزعها عنك، فذلك أشد لحميَّتك، وأقوى لوثبتك، وأخف لحركتك، ولكن البسْ بدلًا منها سراويل مضاعفة، حتى إذا صرعت لم تنكشف عورتك، نزع عبد الله بن الزبير درعه، وشد عليه سراويله، ومضى إلى الحرم لمواصلة القتال، وهو يقول: لاَ تَفتُري عن الدعاء لي يا أمي، فرفعتْ كفيها إلى السماء، وهي تقول: اللهم ارحم طول قيامه، وشدة نحيبه في سواد الليل، والناس نيام، اللهم ارحم جوعه وظمأه في هواجر المدينة ومكة، وهو صائم، اللهم ارحم بره بأبيه وأمه، اللهم إني سلمته لأمرك، ورضيت بما قضيته له، فأثبني عليه ثواب الصابرين، ولم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وعبد الله بن الزبير قد لحق بجوار ربه، ولم يمضِ على مصرعه سوى أربعة عشر يومًا إلا وأمه أسماء بنت أبي بكر قد لحقت به، وقد بلغت من العمر مئة عام لم يسقط لها سن ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت