-فهذا الصحابي, قال: المال الذي عندي قد كثُر وكرَبَني، قُلْتُ: وما عليك, اِقْسِمْهُ، فَقَسَمَهُ حتى ما بَقِيَ منه دِرْهم )) إنْفاق المال يُعْطي الإنسانَ سعادَةً كُبْرى، واللهُ يُعَوِّض، قال تعالى:
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}
[سورة سبأ الآية: 39]
اشترى طلحة أرضًا له من عُثمان بِسَبْعمئة ألفٍ، فَحَمَلها إليه، ولما جاء بها، قال: إنَّ رجُلًا تبيتُ هذه عنده لا يدْري ما يطْرُقُه من أمر الله لَغَريرٌ بالله، لأنَّ الله عز وجل يقول:
{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}
[سورة الانفطار الآية: 6]
من عَدَّ غدًا من أجَلِهِ فقد أساء صُحْبة الموت، هناك رجُلان اخْتلفا على بيْعِ بيْتٍ، وكَلَّفاني أنْ أكون بيْنهما حَكَمًا, جَلَسْتُ معهما وقْتًا طويلًا، أحدُ الطَّرَفَيْن لم ينْصَاعْ لِحُكْمِ المحكمين، واسْتَمَرَّ الخِلاف أربع أو خمسَ سنواتٍ أو أكثر وأنا أُتابِعُ هذا الخِلاف، كُلِّفَتْ لجْنَةٌ ولجْنةٌ ومُحَكَّمون، والأمر يزْدادُ تخاصُمًا، فأُخْبِرْتُ الأمس أنَّ أحدَ الخصْمَينِ توفاهُ الله عز وجل، هذه هي الدنيا، كلّ هذه المتاعب، ثمّ يأتي مَلَك الموت، ويُنْهي هذه المتاعب، فالإنسانُ عُمُرُهُ ثمينٌ، فإذا أمْضاهُ في الخُصومات، واسْتَهْلك أعْصابه ووقْته وحواسَّهُ وقُدْراته، فقد قامَرَ بسعادته الأبدِيَّة، وغامر في شيء زائل، فأكثر الدعاوي تبقى في القضاء سنوات عديدة، عشرًا أو نحو ذلك، وفي الأعمِّ الأغْلب يموتُ أحدُ المُتَخاصِمَين قبل أنْ يُفْصَل بالدعوى، فمن عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صُحْبة الموت.
هذا الصحابي الجليل قُتِل يوم الجمل، عن عُمُرٍ لا يتجاوز الاثنين والسِّتين عامًا فيما تذْكُر الرِّوايات.