فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 800

سارت حياة الغلام عمير بن سعد على هذا النحو هانئة وادعة، لا يعكِّر صفوها معكر، ولا يكدِّر هناءتها مكدِّر حتى شاء الله، وها نحن الآن دخلنا في العقدة، أول قسم في فنّ القصة اسمه البداية، والبداية تنتهي حينما تستقرّ الأحداث، أما إذا تأزّمت وتداخلتْ ونشأت المشكلة فهذه هي العقدة، حتى شاء الله أن يُعرِّض الغلام اليافع لتجربة من أشدّ التجارب عنفًا، وأعظمِها قساوةً، وأن يمتحنه الله امتحانًا قلّما مرّ بمثله فتىً في سنه, في السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عزمه على غزو الروم في تبوك، وأَمَر المسلمِين بأن يستعدّوا، ويتجهزوا لذلك، هذه من أصعب الغزوات لبعد المسافة، والوقت كان في أشد أشهر الصيف حرارةً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغزو غزوة لم يصرِّح بها، وأوهم أنه يريد جهةً غير الجهة التي يقصد إليها، لأن الحرب خدعة، إلا في غزوة تبوك فإنه بيَّنها للناس لِبُعْدِ الشُّقَّة، وعِظَم المشَقَّة، وقوة العدو، ليكون الناس على بيّنة من أمرهم، وليأخذوا للأمر أهبتَه، ويعدّو له عدّته، وعلى الرغم من أن الصيف كان قد دخل، وأنّ الحرّ قد اشتدّ، والثمار قد أينعت، والظلال قد طابت، والنفوس قد ركنت إلى التراخي والتكاسل, على الرغم من كل ذلك فقد لبّى المسلمون دعوةَ النبي عليه الصلاة و السلام، وأخذوا يتجهزون، ويستعدَّون، فالمؤمن الصادق أداؤه للواجبات الدينية ليس على مزاجه، ولا حسبَ فراغه، ليس له خِيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت