فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 800

هذا الطفل الصغير عمير بن سعد استعاد هذه الصورة الفذة الرائعة، لكنه عجب أشَدّ العجب لتباطؤ الجلاس زوج أمه عن الاستعداد للرحيل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعجِب لتأخره عن البذل على الرغم من قدرته ويساره، وحينما عرض عمير بن سعد على عمه زوج أمه هذه الصور الفذّة، وهذه البطولات الرائعة، وهذا البذل السخي، وهذه التضحية، أراد أن يستثير حماسة عمّه، فقصَّ عليه أخبار ما سمع، وأخبار ما رأى، وخاصةً خبر أولئك النفر من المؤمنين الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه في لوعةٍ أن يضمّهم إلى الجيش الغازي في سبيل الله فردَّهم النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يجد عنده من الركائب ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنًا ألا يجدوا ما يبلغهم أمنيتَهم في الجهاد.

لكن الجلاس زوج أم عمير بن سعد الذي أحبّه حبًّا جمًّا ما كاد يسمع من عمير ما سمع حتى انطلقت من فمه كلمة أطارت صواب الفتى المؤمن، قال الجلاس: (( إن كان محمّدٌ صادقًا فيما يدّعيه من النبوة فنحن شرٌّ من الحمير، -ما هذه الكلمة؟ هذه كلمة الكفر بعينها- فدهش عمير مما سمع، ولم يكن يظن أن رجلًا له عقل عمّه وسنّه تندُّ من فمه مثل هذه الكلمة، التي تُخرِج صاحبَها من الإيمان دفعة واحدة، وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه ) ).

هنا المشكلة، غلام في سن العاشرة حُمِّل ما لا يطيق فإنْ سكت على عمّه، وتستر عليه فقد خان الله ورسوله، لأن النبي يحسبه مؤمنًا، بينما هو منافق وليس مؤمنًا، بل كافرٌ محسوب على النبي أنه من أصحابه، وإنْ أذاع هذا الكلام كان عقوقًا لعمّه، وهو الذي أنقذه من الفقر واليتم، وأكرمه، وأطعمه، وألبسه، ورعاه، وقدّم له كل ما يحتاج، إنه موقف عسير وخطير وشديد، وإنه لصراع عنيف، وكان على الفتى أنْ يختار بين أمرين، أحلاهما مُرٌّ, إن أبلغ النبي فقد عقَّ عمّه، وإن سكت عنه فقد خان النبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت