فهرس الكتاب
وجلس بين يدي النبي، وقال عليه الصلاة والسلام: يا جلاس، مقالةٌ سمعها منك عمير بن سعد، وذكر له ما قاله، فقال: يا رسول الله, كذب عليَّ وافترى، فما تفوهت بشيء من ذلك، فكيف صار وضع هذا الطفل الصغير؟ وأخذ الصحابة ينقِّلون أبصارهم بين الجلاس وفتاه عمير بن سعد، كأنهم يريدون أن يقرؤوا على صفحتيْ وجوههما ما تكنُّه صدورهما، وجعلوا يتهامسون، فقال واحد من الذين في قلوبهم مرض: فتى عاق، أبَى إلا أن يسيء لمَن أحسن إليه، وقال آخرون: بل إنه فتىً نشأ في طاعة الله، وإن قسمات وجهه لتنطق بالصدق, التفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمير فرأى وجهه محتقنًا بالدم، والدموع تنحدر من عينيه، وتتساقط على خديه وصدره، وهو يقول: اللهم أنزل على نبيك بيانَ ما تكلمتُ فيه.
هذا الطفل الصغير يدعو الله عز وجل أن ينزل وحيًا يصدِّق مقالته، فانبرى الجلاس، وقال: إنّ ما ذكرته لك يا رسول الله هو الحق، وإن شئتَ تحالفنا، نقسم بين يديك، وإني أحلف بالله أني ما قلت شيئًا مما نقله إليك عمير، فما إن انتهى من حلفه، وأخذت عيونُ الناس تنتقل عنه إلى عمير بن سعد حتى غشيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه السكينةُ، فعرف أصحابُه أنه الوحي، نزل الوحي مباشرةً، فلزموا أماكنهم، وسكنت جوارحهم، ولاذوا بالصمت، وتعلقت أبصارهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلاس، وبدا التلهُّفُ والتشوُّفُ على عمير، وظل الجميع كذلك حتى سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا قوله جل جلاله: