فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 800

فما دام الشيء أُعطِي لأَحبِّ الناس إلى الله ولأبغضِهم إليه فهل يُعدُّ مقياسًا؟ فلا القوة مقياس، ولا المال مقياس، وقد تجد شخصًا وسيمًا بهيَّ الطلعة، ولكنه فاجر فاسق كافر, وترى شخصًا كما وصفه الواصفون، قصير القامة، أحنف الرِّجل، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، ضيق الكتفين، أسمر اللون، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، فحتى الشكلُ لا قيمة له، ولا المال، ولا الغنى، ولا القوة, والسلطة لها قيمة، قيمة واحدة فوق القيم كلها هي مدى معرفتك بالله، ومدى طاعتك له، قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}

(سورة الحجرات الآية: 13)

هذا هو المقياس.

لذلك فأنا تكلمتُ يومًا على منبر الجمعة في خطبة عن الحج: أن الإنسان في الدنيا تتحكم فيه قيم مادية طاغية، تحجبه عن حقيقته الإنسانية، لأنه يستخدم موازين خاطئة، وحجبٌ مُضَلِّلة، ويكون عنده أقنعة مزيفة، ولكنْ عند الموت تسقط كل هذه الأقنعة المزيفة، وتُزاح الحجب المضللة، وتتلاشى القيم المادية، وتحطم الموازين غير الصحيحة، ليحاسب في ضوء قيم جديدة، وموازين جديدة، فما هي هذه المقاييس؟ وما هي هذه الموازين والقيم؟ إنها مدى معرفتك بالله، ومدى معرفتك بمنهج الله، ومدى استقامتك على منهج الله، وحجم عملك الصالح الذي نفعت به الخلق، فهي أربعة موازين فاستمسِكْ بغرزِها, ثمّ إنّ مكتسبات الإنسان إذا وضعت على هذا المحك يجب أن تستخدم مقياس ربنا عز وجل، فلا تفرحٍ بالدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت