فمرة دخَلَ سعيد بن عامر الجمحي على سيدنا عمر في أول خلافته، فقال: (( يا عمر، أوصيك أن تخشى الله في الناس، -فهذه قاعدة إيمانية، أنا سوف أقدمها هدية لكم، أنت بائع، تاجر، موظف، مهما كانت الحرفة التي تتعامل مِن خلالها مع الناس، إذا خفتَ الله في الناس، فما آذيتَهم، وما غششتَهم، وما كذبتَ عليهم وما احتلت عليهم، وعاملت كل واحد منهم كأنّ الله هو المحامي، وكأن الله هو الوكيل، فإذا خفتَ الله في الناس فأنت في موكب النجاة، اسمعوا الجواب-: لن يخيفك الله من الناس، -قال لي واحد: واللهِ يا أستاذ دخل عليّ موظف تموين، فصارت ركبي ترجف، فانطلقتُ رأسًا إلى طبيب القلب، وخططتُ فشعرتُ بضيق، إنسان يدخل إلى محلك، فيسبِّب لك أزمة قلبية، أمّا لو فرضنا بائِعًا ما دخل زبون إلى المحل إلا وباعه بصدق وأمانة ونصيحة، وما كذب، ولا غشَّ، ولا أخذَ أكثر مما ينبغي، ولا استغلَّ جهل الزبون، فأنت تخاف من الله، فلن يخوِّفك من الناس، هذا شيء مستحيل، فلنسْمعْ ما قاله سعيد بن عامر لعمر، ولنفقَهْ دقة العبارة- قال له: أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، -ما أجمل هذه الكلمة، وألاّ يخالف قولك فعلك، فإن خيرَ القول ما صدقه الفعل.
فهل تجد إنسانًا في الأنظمة الحديثة يخاطب ملِكًا بهذه الطريقة؟ هذا مستحيل- قال: يا عمر، الحمد لله الذي أخرجنا من جور الحكام إلى عدل الإسلام، يا عمر, أقم وجهك لمن ولاّك الله وجهه من بعيدِ المسلمين وقريبِهم، وأحِبَّ لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكرهْ لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخصّ الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم, -إنسان مغمور ضعيف عييّ اللسان أعطِه حقه الكامل- فقال عمر: من يستطيع ذلك يا سعيد؟ فقال: يستطيعه رجل مثلك ممَّن ولاهم الله أمر أمة محمد، وليس بينهم وبين الله أحد )) أنت أعلى واحد قوة ومرتبة عند الله عز وجل.