والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص، وقال له: ألا نفرض لك رزقًا؟ قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين، فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي، ثم مضى إلى حمص، بعد فترة قليلة وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص، فقال لهم اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسديَ حاجتهم، فرفعوا إليه كتابًا فإذا فيه فلان وفلان وسعيد بن عامر، قال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا، قال: أميركم فقير! قالوا: نعم, والله إنه لتمرّ عليه الأيام الطوال ولا توقد في بيته النار.
فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينار، فجعلها في صرة، وقال: اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجتك، فجاء الوفد إلى سعيد بالصُّرة، فنظر إليها فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة، أو حلَّ بساحته خطب، فهبَّتْ زوجته مذعورة، وقالت: ما شأنك يا سعيد، أمات أحدٌ مِن المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: أأصيب المؤمنون في وقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك، فقالت: وما أعظم من ذلك؟ قال: دخلتْ عليَّ الدنيا لتفسد آخرتي، وحلَّت الفتنة في بيتي، قالت: تخلَّصْ منها، وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئًا، والنساء يحبون المال، قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم، فأخذ الدنانير فجعلها في صرة، ثم وزعها على فقراء المسلمين، لقد خاف أنْ يصبح غنيًّا يتنعم، ويأكل والناس جائعون )) .