فهرس الكتاب
وفي رواية أخرى أنه انطلق إليه، وقال له: ما الذي جاء بك إلينا؟ ولِمَ هذا السيف على عاتقك؟ ثم قيّده في حمالته، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، دخل سيدنا عمر وعمير بن وهب على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقال عمر: يا رسول الله, هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحًا سيفه، وما أظنه إلا يريد شرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: أدخِلْه عليّ، فأقبل الفاروق على عمير، وأخذ بتلابيبه، وطوّق عنقه بحمّالة سيفه، ومضى به نحو النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي رقيق، نور يشعّ، إنه نفس إنسانية تفيض رحمة، والإنسان يمتحن، فأن ترحم مَن تحب هذا أمرٌ طبيعي جدًا، وأهل الدنيا الكفار يرحمون مَن حولهم، مَن يلوذ بهم، ولكن عظمة الإيمان أن المؤمن يحب الناس جميعًا، فيرحم أعداءه قبل خصومه, فقال عليه الصلاة والسلام: يا عمر, أطلقه وفكَّ عنه هذا القيد، فأطْلَقه, ثم قال: يا عمر استأخر عنه, فتأخر عنه, ثم توجّه النبي عليه الصلاة و السلام إلى عمير بن وهب، وقال: ادنُ يا عمير, فدنا، وقال: أَنْعِمْ صباحًا يا محمد, وهذه تحية العرب في الجاهلية, فقال عليه الصلاة و السلام: يا عمير, لقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك هذه, لقد أكرمنا الله بالسلام، وهي تحية أهل الجنة, فقال عمير بفظاظة ما بعدها فظاظة وغلظة ما بعدها غلظة: واللهِ ما أنت ببعيد عن تحيتنا، وإنك بها لحديث عهد.
أيها الأخوة, قد تتحمل إنسانًا مؤمنًا، وهناك شخص صدره واسع, ونَفَسُه طويل, حليم, يتلقى فظاظة خصومه بصدر رحب, ويمتصُّ مواقفهم الفجّة, وهناك شخص لا يتحمل, إذا أردت أن تكون داعية إلى الله عز وجل فلا بد من حلم كثير, ولا بد من سعة صدر, ولا بد من تجاوز, ولا بد أن تكون في أعلى مستويات الرحمة والحب.