فهرس الكتاب
لماذا كان صفوان في أروع أيام حياته؟ لأنه يتوقع بعد أيام أن يأتي الخبر المفرح بأن محمَّدًا قد قتل, كان صفوان صامتًا لا يتكلم، لقد اتفق صفوان وعمير ألا يتكلما، ولكن كان يقول: يا معشر قريش, أبْشِروا بنبأ عظيم يأتيكم قريبًا، ثم إنه لمَّا طال الانتظار على صفوان بن أمية قالوا: أين هذا الخبر السار؟ فكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة يسأل القوافل عن أخبار المدينة، فلا يسمع شيئًا، ولا يصله شيء, ولمَّا طال الانتظار أخذ القلق يتسرب إلى نفسه شيئًا فشيئًا، حتى غدا يتقلب على أحرّ من الجمر، لقد كفل له أولاده، وكفل له دَيْنَه، فماذا ينتظر؟ و طفق يسأل الركبان والقوافل عن عمير بن وهب, فلا يجد عندهم جوابًا يشفيه، إلا أنه مرة جاءه راكب فقال: إنّ عميرًا قد أسلم يا سيدي, صاحبك أسلم, فنزل عليه الخبرُ نزولَ الصاعقة، إذْ كان يظن أن عمير بن وهب لا يسلم ولو أسلم جميعُ مَن في الأرض, لكنَّ الآية الباهرة التي جاءته من الله، والتي أكدّت له صدق النبي، وأنه رسول استفاد منها، فإذا أرَى الله عز وجل عبدًا آية فلا يركب رأسه.
أما عمير بن وهب فإنه ما كاد يتفقه في دينه، ويحفظ ما تيسّر له من كلام ربه، حتى جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله, لقد غبَرَ عليّ زمان، أي مضى علي زمان، وأنا دائب على إطفاء نور الله, شديد الأذى لمَن كان على دين الإسلام, وأنا أحب أنْ تأذن لي أن أقدم على مكة لأدعو قريشًا إلى الله ورسوله فأُكفِّر عما سبق مني, فرجع إلى مكة داعية, لقد خرج منها قاتلًا، فعاد داعية، وهذه أنوار النبي صلى الله عليه وسلم, هذه عظمة الرسالة, وهذه عظمة النبوة, لذلك على الإنسان ألاّ يعد حياته التي عاشها قبل أن يسلم، والوقت الذي أمضاه قبل أن يتعرف إلى الله عز وجل، لا يعدّ هذا الوقت من حياته.