لكن النعمان بن المقرِّن المزني فقد استحيا أن يَفِدَ مع هذا الجمع الحاشد على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يحمل له وللمسلمين شيئًا يقدِّمه، وفي المسلمين فقراء، وذو حاجة، فأراد أن يقدِّم للنبي بعض الهدايا، لكن السنة العجفاء المجدبة التي مرَّت بها مزينة لم تترك لها ضرعًا ولا زرعًا، فطاف النعمان ببيته، وبيوت أخوته، وجمع كلما أبقاه القحط من غنيمات، وساقها أمامه، وقدم بها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلن هو ومن معه إسلامهم بين يديه.
-هذا إسلام جماعي- النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى ذلك سُرَّ أشدَّ السرور، واهتزت يثربُ من أقصاها إلى أقصاها، فرحًا بالنعمان بن مقرِّن وصحبه، إذْ لم يسبق لبيتٍ من بيوت العرب أنْ أسلم منهم هذا الجمع الغفير، وتقبَّل الله عزَّ وجل غُنيماته، وأنزل فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة:
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
(سورة التوبة الآية: 99)
أخوك فقير قدَّمت له شيئًا، فالله يتقبّله، وإذا قدّم إنسان إلى أخيه هدية بِنِية تمتين العلاقات، وبِنِية إكرامه، وبِنِية مسح شيء من الضغينة، هذه الهدية يتقبلها الله عزَّ وجل، وهكذا فلْيَكُن المؤمن, قال تعالى:
{وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ}
(سورة التوبة الآية: 99)
أحيانًا يقدِّم أخٌ خدمةً إلى المسجد، قد يساهم في حلِّ قضيةٍ، أو يقضي حاجة أخيه، أو يحل مشكلة عويصة، أو يسدّ نقصًا، أو يقوِّي ضعفًا، أو يطفئ فتنةً، أو يزيل نفورًا، فتجد هذا الذي يدعو إلى الله يمتلأ قلوبَ الآخرين امتنانًا له.