فهرس الكتاب
(( إلى فلان الفلاني، قائد جيوش المسلمين في سمرقند، ما إن يصلك كتابي هذا، فاخرجْ من سمرقند، وادعُ أهلها إلى الإسلام، فإن أبَوْا فادعُهم لدفع الجزية، فإن أبَوْا فقاتلهم، وافتح بلادهم مرةً ثانية.
-هذا الوفد الذي عاد ومعه تلك قصاصة، فيها أمرٌ إلى قائد جيش أن ينسحب من بلدٍ احتلها، وانتصر على أهلها، ودانتْ للمسلمين، لم يصدِّق- فلما قُدِّمت هذه القصاصة إلى قائد الجيش قبَّلها، وأمر جيشه بالانسحاب، فلما رأوا ذلك, قالوا: نحن أسلمنا، وابقَوْا على ما أنتم عليه )) .
فسيدنا سعد بن أبي وقاص، قائد جيوش المسلمين، قبل أن يحارب كسرى يزدجرد، لا بدَّ أن يدعوه إلى الإسلام، فإن أبى، دعاه إلى دفع الجزية، فإن أبى، يقاتله، فإذا قاتله، فليس المقصود أن يبيده، المقصود أن يأسره، فلعله يسلم بطريقة المعاملة إنْ لم تفلحْ بطريقة الحوار، هذا هو منهج الإسلام في نشر الدعوة.
ولما بلغ الوفد عاصمة كسرى في المدائن، استأذنوا بالدخول عليه، فأذن لهم، ثم دعا الترجمان فقال له: (( سَلْهُمْ ما الذي جاء بكم إلى ديارنا، وأغراكم بغزونا, لعلكم طمعتم بنا، واجترأتم علينا، لأننا تشاغلنا عنكم، ولم نشأ أن نبطش بكم؟ ) )-هذا كلام كسرى للمترجم، ليوجِّهه لسيدنا النعمان بن مقرن المُزني-.
فالتفت النعمان بن مقرن إلى من معه، -انظروا إلى أدبه، وإلى تواضعه- وقال: (( إن شئتم أجبته عنكم، وإن شاء أحدكم أن يتكلم آثرتُه عليَّ بالكلام، فماذا تروْن؟ قالوا جميعًا: بل تكلَّم أنت، -لأنه رئيس وفد، وما اختاره سيدنا سعد إلا على علم، والقاعدة: إذا عزَّ أخوك فهن أنت، فهي ليست قضية منافسة- ثم التفتوا إلى كسرى، وقالوا: هذا الرجل يتكلَّم بلساننا، فاستمع إلى ما يقول: