فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 800

فالنبي لم يقصد عبد الرحمن بالذات, إنما قال: إنك غنيّ، والأغنياءُ عادَةً مشْغولون بأمْوالهم، فإذا آمنوا واسْتقاموا دَخَلوا الجنَّة حَبْوًا, أَقْرِض الله يُطْلق لك قَدَمَيْك، فهو يعْرف الطريق، ولما قال: سبعُمئة راحِلَة في سبيل الله، والله لأدْخُلَنَّها خَببًا، فالنبي صلى الله عليه وسلّم ما أراد أنْ يُثَبِّطه، ويجعل مصيرَه مصيرًا محْتومًا، والقَوْلُ الشهير الذي ورد عن النبي: (( خُذْ من الدنيا ما شِئتَ، وخُذ بِقَدرِها همًا، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكْفيه أخذ من حَتْفِهِ وهو لا يشْعر ) )

[ورد في الأثر]

المال وسيلة عند ابن عوف وليس غايته:

أيها الأخوة, هذا هو عبد الرحمن بن عوْفٍ، هذا هو الغنيُّ المؤمن، هذا الذي يكون سيِّد المال، وليسَ عبدًا له، هذا الذي يسْتخدم المال في سبيل الجنَّة، في سبيل مرْضاة الله عز وجل، في سبيل أنْ يفوز بِجَنَّةٍ عَرْضُها السموات والأرض، في سبيل أنْ يرْضى الله عنه، هذا الصحابي الجليل هو أحدُ الثمانِيَّة الذين سبَقوا إلى الإسلام، عرضَ عليه أبو بكر الإسلام هو وعثمان بن عفان والزبير بن العَوام وطلْحة بن عُبَيد الله وسعْدُ بن أبي وقاص فمَا غُمَّ عليهم الأمر, ولا أبْطؤوا، بل سارَعوا مع الصِّديق إلى النبي عليه الصلاة والسلام يُبايِعونه، ويحْمِلون لِواءَهُ، معنى ذلك لما ينْشرحُ صَدْرك للحق فهذه علامة طيِّبة، حينما لا تتَرَدَّدُ، كلكم يذكر قِصَّة سيِّدنا عبد الله بن رواحة حينما عَيَّنَهُ النبي عليه الصلاة والسلام قائدًا ثالثًا، وكيف أنَّ القائد الأول حمل راية المُسْلمين، فقاتل بها حتى قُتِل, وحملَها بعده سيّدنا جعفر، فقاتل بها حتى قُتِل؟ فلما جاء دَوْرُ عبد الله بن رواحة تَرَدَّدَ، ويَذْكُر المُؤرِّخون أنه تردَّد بِقَدْر هذين البيْتَيْن:

يا نفْسُ إلاّ تُقْتلي تموتي ... هذا حِمامُ الموت قد صَليت

إنْ تفْعلي فِعْلها رضيت ... و إنْ تَوَلَّيْتِ فقد شَقيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت