فهرس الكتاب
سمعت قريشٌ صوتَ التلبية، فهبَّت غاضبةً مذعورة، واستلت سيوفها مِن أغمادها، واتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها، ولما أقبل القوم على ثمامة، رفع صوته بالتلبية رفع العيار، وهو ينظر إليهم بكبرياء، فهمَّ فتىً من فتيان قريش أن يرديه بسهمٍ، فأخذوا على يديه، وقالوا: ويحك أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال، ملك اليمامة، فقتْلُه يشعل علينا نارَ حربٍ كبيرةٍ، أخذوا على يديه، ومنعوه أن يناله بسهم، وقال الناصح: والله إن أصبتموه بسوءٍ لقطع قومه عنا الميرة، وأماتونا جوعًا, ثم أقبل القوم على ثمامة، بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها، وقالوا: ما بك يا ثمامة، أصَبَوْتَ؟ يعني أسلمت، وتركتَ دينك ودين آبائك, قال: ما صبوت، ولكني اتبعتُ خير دينٍ، اتبعت دين محمد, ثم أردف يقول: أُقسم بربِّ هذا البيت إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبةٌ من قمحها، أو شيءٌ من خيراتها، حتى تتبعوا محمدًا عن آخركم.
ثم اعتمر ثمامة بن أُثال على مرأى من قريش كما أمره النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يعتمر، وذبح تقربًا إلى الله، لا للأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده، فأمر قومه أن يحبِسوا الميرة عن قريش، فصدعوا لأمره، واستجابوا له، وحبسوا خيراتهم عن أهل مكة, لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما أكرمه، وحينما عفا عنه، أراد من خلال ذلك أن يهتدي، ويهتدي معه قومه، وهذا بالتعبيّر العام ضربة معلم، رحمة، عفو، حنكة، سياسة، عفو عند المقدرة، دعوة إلى الله عميقة، لأن هذا إنسان قوي، إذا أسلم فكلُّ أتباعه، يصبحون مسلِمين.