وهذا أحد التجار كذلك، أنا لا أزكي على الله أحدًا، لكني أظنه مؤمنًا، كلما جاءته جمْعيَّة خيرية، أو لجنة بناء مسْجد يقول لهم: دونَكُم الصندوق، خُذوا منه ما تشاؤون، ولا تُعْلِموني كم أخَذْتم؟ هذا الإنْسان عاشَ عُمْرًا لا بأسَ به، ولكنَّهُ أصيب بِمَرضٍ خبيثٍ في دمه، فجاءَتْ مُخابرة إلى البيت، وفي البيت عدَّةُ هواتف، ورُفِعَتْ سماعة، فرفعَ هو السماعة، وكانت المكالمة من المستشفى، وأخذ الموظف يقرأ له التقْرير, معلنًا أنَّ القضِيَّةُ مُنْتهيَّة، ولا بدّ أنْ يموت بعد ثلاثة أيامٍ! سمِعَها بِأُذُنه، والقِصَّة واقِعِيَّة، وقصَّها عليّ أُناسُ كثيرون، تلقى هذا الخبر بِنَفْسٍ رَضِيَّة، لأنَّ عمله صالحٌ، ولأنه قدَّمَ ماله أمامه، والآن سرَّهُ اللَّحاقُ به، كلُّ علاقاته المالِيَّة أنْجَزَها أوَّلَ يومٍ، واليوم الثاني طلب أوْلاده وأصْهاره وبناته وودَّعَهُم، وفي اليوم الثالث: دخل للحمام فاِغْتَسَل اِغْتِسال درجة أولى بِيَدِه، دون أنْ يُغَسِّلَهُ أحد، واضْطَجَع على السرير حتى الساعة الثانِيَة عشر، واسْتَقْبَل أحد علماء دِمَشْق الأجِلاء، وهذا العالم مع أخْوانه أجْرَوا له تهْليلة وقرآن حتى الساعة الواحدة، وفي الساعة الواحدة سلَّمَ روحَهُ لبارِئِه، شيءُ لا يُصَدَّق، أن يتلَقى الإنسانُ خبرَ وفاته بِصَدْرٍ رَحِب، وبِنَفْسٍ طيِّبة، يقول الله عز وجل في الحديث القُدْسي: (( عبدي أعْطَيْتُك مالًا فماذا صَنَعْتَ فيه؟ يقول: يا رب, لم أُنْفِق منه شيئًا مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عز وجل: ألم تعْلم أنِّي أنا الرزاق ذو القوة المتين، إنَّ الذي خَشيتَهُ على أوْلادك من بعْدِك قد أنْزَلْتُهُ بهم، يقول لِعَبْدٍ آخر آتاه مالًا: أعْطَيْتُك مالًا فماذا صَنَعْتَ فيه؟ يقول: يا رب, أنْفَقْتُهُ على كُلّ مُحْتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا، وأنت أرْحم الراحِمين، فَيَقُول الله عز وجل: أنا الحافظ