فهرس الكتاب
-بالمناسبة، ما مِن إنسان إلى حدٍ ما في الأعم الأغلب يغدو مؤمنًا صادقًا إلا وله طلبٌ قديم منذ نعومة أظفاره يتمنَّى أن يكون مؤمنًا، ويتمنَّى أن يكون طائعًا لله عزَّ وجل، يبحث عن الحق بحثًا مستمرًا، وعنده رغبة جامحة، وصدق في طلب الحقيقة.
فالإنسان منطقي، لكن يحتاج إلى لحظة صدقٍ مع نفسه، سيدنا نعيم بن مسعود، جاء إلى المدينة، ليحارب رسول الله، جاء مع الأحزاب، الذين حاصروا النبيَّ عشرين يومًا، وفي إحدى الليالي فكرَّ هذا الصحابي تفكيرًا صافيًا، فقال: لماذا أنا مع هؤلاء؟ لماذا أحارب هذا الرجل الصالح، إلامَ يدعو؟ يدعو إلى عبادة الله خالق الأكوان، وأصحابه أناسٌ طيبون، منصفون، عادلون، لماذا أحاربهم؟ فعلى الإنسان أن يفكر، لماذا أنا أفعل هذا؟ لماذا ابتعد عن هذا؟ لما لا أستجيب؟ وفي الحديث عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً, تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا, وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا, وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا, وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ) )
[أخرجه الترمذي في سننه عن حذيفة]
تأمل سلمانُ، وأدار فكره- ثم قال: فو اللهِ ما تركتهم، حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى ضيعة أبي، ثم إني سألتهم، أين أصل هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام، وسلمان يعيش في أصبهان، في بلاد الفرس، ولما أقبل الليل، عُدت إلى بيتنا، فتلقاني أبي يسألني عما صنعت؟ فقلت: يا أبتِ, إني مررت بأناسٍ يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، وما زلت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت، وقال: أيْ بني، ليس في ذلك الدين خير, -وهذا شأن الآباء، وشأن الذين عطَّلوا عقولهم، فقد أَلِف ما هو مقيمٌ عليه، ويرفض كلَّ تجديد، والإنسان العاقل لا تنطبق عليه الآية الكريمة: