لذلك لم يُسَجِّل التاريخ أنَّ مُهاجِرًا واحدًا أخذ شطْر مال أخيه الأنْصاري, فإذا كان الإنْسان ضَيِّقَ ذات اليد فله طريقان: الطريقُ الأكْمل أنْ تقول: يا رب اُرْزُقْني من فضْلك، ولا تُحْوِجْني إلى أحدٍ سِواك، ولا تجْعَلْ حاجتي إلا إليك، لأنّ الإنسان إذا أعْطى فَعَطاؤُهُ غير عطاء رب العالمين، قيل: اِحْتَجّ إلى الرجل تكُنْ أسيرَهُ، واستَغْنِ عنه تكُن نظيره، وأحْسِن إليه تكُن أميرهُ.
إليكم هذه القصة للعبرة:
رَوَوا أنَّ أحد الشيوخ كان له تلاميذ، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم نِصْفَ لَيْرة لِيَشْتَري بِها حاجَتَين، وأعْطى تِلميذًا عشر لَيْرات لِتَكون معه، فالذي أُعْطي المبلغ القليل تألَّم وانْكسر خاطِرُهُ، وشعر أنه ليس من مُسْتوى الثاني، وأنّ الشَّيْخُ ليس واثِقًا به، بيْنما أعطى الثاني مبْلغًا كبيرًا، فَشَعَرَ الشيخ أنّ تِلْميذه استولى عليه هذا الشُّعور، فقال: نحن بِحاجة إلى حمام يا أبنائي، وبِحَمام السوق يوجد داخِلي وخارجي وأوْسطي، فأدْخَلَهم إلى الحمام، وإلى الغُرْفة الساخِنَة، وبدأ يقول لِصاحب العشر ليرات: حاسِبْني في هذه وهذه، فاضطرب وارتبك، أما صاحب المبلغ القليل فكانَ حسابهُ يسيرًا، ربع ليرة بقْدونس، والربع الآخر كزْبرة، وانتهى الحساب, إذًا: كلما كان نصيبك قليلًا كلما كان حِسابك يسيرًا، وكلما كثُر المبْلغ صار الحِساب مُعَقَّدًا أكثر فأكثر, هذه قِصَّة رَمْزِيَّة فقط، المُهِمّ أنّ الإنسان إذا اخْتار اللهُ له الكفاف فقد اختار له اليسير.
أنا أقول لكم: كل إنسان يشكو لي أنّ الأمور كما يقولون: ماشي الحال, ونحن نشْتَغِل قدْر مصْروفِنا، كلما سَمِعْتُ إنْسانًا يشْكو لي هذه الشَّكْوى، أقول له: لقد أصابَتْكَ دعْوَةُ رسول الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( اللهم من أحَبَّني فاجْعَل رِزْقَهُ كفافًا ) )
[ورد في الأثر]