مرَّةً قدَّم ألفًا وخمسمئة راحِلَة في سبيل الله، وعند مَوْتِهِ أوْصى بِخَمْسين ألف دينار في سبيل الله، وأَوْصى لكل من بَقِيَ ممن شهِدوا بدْرًا بِأَرْبَعمئة دينار، حتى إنَّ عُثْمان بن عفان رضي الله عنه أخذ نصيبه من هذه الوَصِيَّة رغْمَ ثرائِهِ، وقال: إنَّ مال عبد الرحمن حلالٌ صَفْوٌ، وإنَّ الطُّعْمَةَ منه عافِيَةٌ وبَرَكَة، فإذا دعاك المؤمن، فو الله طعامه شِفاء، فالمخلص سيِّدَ ماله، ولم يكن عَبْدًا لِماله، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ, إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ, وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ) )
[أخرجه البخاري في الصحيح]
بلغ من سعة عطائه وعَوْنِه أنه كان يُقال: أهل المدينة جميعًا شُرَكاءُ لابن عوفٍ في ماله، وقد سَمِعْتُ اليوم قِصَّة عن رجلٍ غَنِيّ، كانت امْرأة تأتي في الساعة السابعة إلى مَكْتَبِه لِتُنَظِّف، وهو لا يعْرِفُها في شَكْلِها، إنما يسْمع عنها، ويُعْطيها أُجْرتها، مرَّةً جاء في الساعة السابعة لِأمرٍ اسْتِثْنائي، فرأى امْرأة مُسِنَّة تشْتغل، وتَمْسح، فقال لها: أنت كم تأخُذين؟ فقالت له: ألْفَيْن وخمسمئة في الشَّهْر، فقال لها: كم ولدٍ عندك؟ فقالت: أربعة، فقال لها: اذْهبي إلى بيْتِكِ، وارْعَيْ أوْلادك، وتعَالَي كلَّ شهْرٍ وخُذي خمْسة آلاف, قلْبه رقيق، ما تحَمَّل ذلك المشْهد، وهي على كِبَر سِنِّها تشْتغل، فالغَنيّ أحْيانًا يصِلُ إلى الأوْج في إنْفاق ماله، لأنَّها المِسْكينة وصَلَتْ إلى مرْحلة التقاعُد، فالدنيا لا تخْلو من أهل الخير.
قالوا: أهل المدينة جميعًا شُركاءُ لابن عوفٍ في ماله، ثُلُثٌ يُقْرِضُهم، وثُلُثٌ يقْضي عنهم دُيونهم، وثُلُثٌ يصِلُهُم ويُعْطيهم، ألا تشْتهون غِنى مثل هذا الصحابي الجليل؟.