فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 800

في زماننا طيران، وطائرة أسرع من الصوت، وأنت على ارتفاع ستين ألف قدم، يقدَّم لكَّ الطعام الساخن، والفواكه، والمشروبات، والشاي، والقهوة، ويمكن أن تنام، وأن تشاهد فيلمًا، وأن تقرأ المجلات، وكلّ حين تقدم لكَّ الوجبات الشهيّة، في المطارات، قاعات الاستقبال مكيفة، فالسفر في زماننا هذا سهلٌ ميسور.

لكن تصور السفر في عهد النّبي عليه الصلاة والسلام، تصور إنسانًا يركب حصانًا، أو يركب ناقةً، وينطلقُ بها من المدينة إلى القسطنطينية وحده، لا مؤنس معه، في ليالي الصحراء، أمّا في هذه الأيام فالإنسان أحيانًا لو ذهب إلى مكتبه في قلب المدينة في الليل يشعر بالوحشة، ولو سارَّ في طريقٍ وحده بعد الساعة الثانية عشرة لشعر بالوحشة.

فهذا الصحابي، انطلق ليقطع الصحارى وحيدًا، دون مؤنسٍ، ودون معينٍ، ليصل إلى ملك من ملُوك الأرض، لا يفهم لغته، ملكٌ متربعٌ على عرشٍ عظيم، يدعو هذا الصحابي ذاك الملك لترك دينه، والاحتمال أن يقتله احتمالٌ كبير.

أجمل شيء يا أيها الأخوة, أن يكون الإنسانُ واقعيًّا، وكلّ إنسان يبتعد عن الواقع لا يصدَّق، فالنّبي عليه الصلاة والسلام يعلم تمامًا خطورة هذه المهمة، وهؤلاء الصحابة الكرام عاشوا في البادية، ولم يتعلَّموا، بل هم أُمِّيُّون، سينطلق أحدُهم إلى كسرى، الذي يمثِّل قمَّة الحضارة، قصور، وخدم، وحشم، وحجَّاب، وفرسان، وأسلحة، وأموال، وأرائك، وهم يجهلون لغات تلك البلاد، ولا يعرفون شيئًا عن أمزجة ملوكها.

بينما الآن فهناك إعلام، والأعمال كلُّها يتناقلها الإعلام، فأحيانًا الملوك يحسبون حسابًا لتناقل الوكالات لما يفعلُون، أما قديمًا فلم يكن هناك إعلام، فلو قال الملك: اقتلوه، لقتلوه، وانتهى الأمر، ولنْ تسمع وقتها ضجة إعلامية، إذ لم يكن بين الشعوب تواصل، إنهم سيدعُون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت