فهرس الكتاب
تصوَّر مثلًا أنَّ يا فلانًا الفلاني، في القرية الفلانية، ومن البلد المتخلِّف الفلاني، يقال له: اذهب إلى صاحب البيت الأبيض، وقل له: إنَّك كافر، وإنَّك على باطل، فعُدْ إلى ديننا، إنه أمرٌ صعب، ومهمةٌ فوق الخيال.
سيدعون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم، والدخول في دينِ قومٍ كانوا إلى الأمسِ القريب، إنها رحلةٌ خطيرة، الذاهب فيها مفقود، والعائد منها مولود.
إنها رحلة بالتعبير المعاصر، انتحارية، فإما أن يعود، وإما ألاّ يعود، هذه هي طبيعة هذه المهمة.
الإنسان أيها الأخوة, على قدر تضحيته، وعلى قدر بذله، وعلى قدر تجشُّمه للأخطار، وعلى قدر عطائه يرقى عند الله عزَّ وجل، لذلك جمع النبي صلّى الله عليه وسلَّم أصحابه، وقام فيهم خطيبًا، وقال: (( أما بعد، فإني أريد أن أبعثُّ بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليّ، كما اختلفت بني إسرائيل على عيسى بن مريم:
{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}
(سورة المائدة الآية: 24)
-لقد كان الصحابة يتنافسون على الأعمال البطولية، تصور لو أُلْغِيَ التجنيدُ الإجباري، وصار اختياريًا، فكم عددُ مَن يذهبون طواعيةً؟ كان أصحاب رسول الله حينما يردُّهم النّبي لعدم وجود الرواحل يبكون، وفي هؤلاء قال سبحانه:
{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}
(سورة التوبة الآية: 92)
يبكون لأنه ما أتيح لهم أن يضَحُّوا بأرواحهم في سبيل الله، فَأَرِنِي لي مِنَ المسلمين بهذا المستوى، وخذ فتحًا يشمل العالم كلَّه، وخذ نصرًا مؤزرًا، الواحد منهم بألف، والألف من غيرهم كأُف, سأتلّو على مسامعكم آيتين، الأولى قوله سبحانه: