فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 800

أما الرجلان، فَيَمَّمَا وجهيهما شطر المدينة، حتى إذا بلغاها لقيا النبي عليه الصلاة والسلام، ودفعا إليه رسالة باذان، وقالا له: إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا باذان، أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه، فإن أجبتنا، كلَّمنا كسرى بما ينفعك، ويكفُّ أذاه عنك، وإن أبيت، فهو مَن قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك، وإهلاك قومك، لم يغضب النبي، بل تبسَّم عليه الصلاة والسلام، وقال لهما: ارجعا إلى رحالكما اليوم، وائتيا غدًا.

فلما غدوا على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم التالي، قالا له: هل أعددتَ نفسك للمُضِيِّ معنا إلى لقاء كسرى؟ فقال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: لن تلقيا كسرى بعد اليوم، فلقد قتله الله، حيث سلَّط عليه ابنه شيرويه في ليلة كذا من شهر كذا وقتَله, إنه خبرُ الوحي, فحدَّقا في وجه النبي، وبدت الدهشة على وجهيهما، وقالا: أتدري ما تقول! أنكتب بذلك لباذان؟ قال: نعم، وقولا له: إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى، وإنَّك إن أسلمتَ، أعطيتكَ ما تحت يديك، وملَّكتكَ على قومك.

خرج الرجلان من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقدما على باذان، وأخبراه الخبر، فقال لهما: لئن كان ما قال محمّدٌ حقًا فهو نبيّ, -لم يكن وقتها أقمار صناعية، أو محطات بث مباشر، أو محطات وكالات أنباء عالمية، الخبر ينتقل خلال دقائق في العالم، لم يكن لها وجود، الخبر حتى ينتقل يحتاج لأشهر-.

فلم يلبث أن قدم على باذان كتابٌ من شيرويه، وفيه يقول: أما بعد فقد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا انتقامًا لقومنا، فقد استحلَّ قتلَ أشرافهم، وسبيَ نسائهم، وانتهابَ أموالهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن عندك.

فما إن قرأ باذان كتاب شيرويه، حتى طرحه جانبًا، وأعلن دخوله في الإسلام، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن, قال تعالى:

{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت