فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 800

زرْتُ صديقًا يومًا وكان بَيْتُهُ صغيرًا، فقال لي: لا تؤاخِذْنا لصِغر بيتنا, فقُلْتُ له: والله لو تقرأ عن بيْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي هو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق لما استحييتَ ببيتك، كان إذا صلى قِيام الليل تحوِّل السيِّدة عائِشة رِجْلَيْها، لأنَّ غرفته لا تَتَّسِعُ لِصَلاته ونوْمه، ولما دخل عليه عديّ بن حاتم قذف إليه وِسادةً من أدم مَحْشُوَّةً ليفًا، وقال له: اجْلِسْ عليها، قُلْتُ بل أنت, فقال: بل أنت، فَجَلَسْتُ عليها وجلس صلى الله عليه وسلّم على الأرض، ليس في بيْتِ النبي إلا وِسادةٌ واحدة!!، هذه هي النبُوَّة، النبوَّة قُدوة وتَقَشُّفٌ وزُهْدٌ وليس ملكًا.

سيّدنا عمر قبل أنْ يتوفاه الله عز وجل مُتأثِّرًا بِجِراحه اسْتأذن السيّدة عائِشة أمُّ المؤمنين أنْ يُدْفَن في حُجرة النبي عليه الصلاة والسلام، ثمَّ اسْتدرك وقال: أنا خليفة المسلمين، ولعلَّها قبلتْ خجَلًا مني، بعد أنْ أموت اسْألوها مرَّةً ثانِيَة، فإن قبِلتْ فافْعلوا، فهُوَ رضي الله عنه ما أراد أنْ يسْتخدم سُلْطته في أخذِ مُوافقَتِها، والسيّدة عائِشَة أرادَتْ أنْ تَخُصّ نفسها بِشَرف الدفْن في حُجْرة النبي.

فهذا الصحابي الجليل وهو على فِراش الموت أشارتْ إليه أنَّها تُوافقُ على أنْ يُدْفن في حُجْرَتها إلى جِوار النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكرٍ وعُمر، ولكنه رضي الله عنه كان على حياءٍ كبير، فقد اسْتَحْيا أن يكون مع هؤلاء الكِبار، ثمّ إنه كان على مَوْعِدٍ وثيق مع عثمان بن مظغون، إذْ تواثقا ذات يومٍ أَيُّهُما يموت بعد الآخر يُدْفَنُ إلى جِوار صاحِبِه، فهذا وعْدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت