-أيها الأخوة، أكثر ما أدهشني في هذه القصة هذا الموقف، كم مضى على إسلامه؟ نصف ساعة، أو ربع ساعة، والنبيّ إكرامًا له طرح له مُتكأً، وسادة- فعظُم عليه أن يتكئ في حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقال: واللهِ يا رسول الله، ما كنتُ لأتكئ في حضرتك, -هذا هو الأدب، لكنْ متى تعلمه؟ لم يمضِ على إسلامه ربعُ ساعة، المسلم كلُّه أدب.
أحد العلماء قال لأحد تلاميذه: يا بنيّ نحن إلى أدبك، أحوجُ منا إلى علمك، علامة رُقي الإنسان أدبه- وردّ المُتَّكأ وما زال يُعيده إلى النبيّ، وهو يرُدّه، ولما استقر بهم المجلس، قال عليه الصلاة والسلام لزيد الخير: يا زيد ما وصِف لي رجلٌ قط، ثم رأيته، إلا كان دون ما وصف، إلا أنت.
-يقول لك أحدهم: لقد أقمنا في مكان لا مثيل له، هل لكَ أنْ ترافقنا إليه فنرتع ونسعد؟ يقول لك: فلان قمَّة، تلتقي معه فلا تجد شيئًا مِنَ القمة، فهو أقل دون ما وُصِف بكثير، والإنسان دائمًا يبالغ، وهذه طبيعة بشرية، فإذا عاينتَ ما وُصِفَ لك رأيته صغيرًا- قال له: يا زيد، إنّ فيك خصلتين، يحبهما الله ورسوله، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم.
-هذه صفاتٌ يحبها الله، أمّا هذا الطائش، والعجول، والغليظ، والمتكبِّر، فلا يرتاح إليه الناسُ، بل مَن كان فيه أناة وحلم فهو المقبول عندهم- فقال زيد الخير وكله أدب: الحمد لله الذي جعلني على ما يُحب الله ورسوله، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، أعطني ثلاثمئة فارس، وأنا كفيلٌ لك، بأن أُغير بهم على بلاد الروم، وأنال منهم, فأكبر النبيّ عليه الصلاة والسلام، همته هذه، وقال له: لله درُك يا زيد، أيّ رجُلٍ أنت؟!.
-شيء عظيم جدا، أن يحبك رسول الله، وأن يُعجب بك، ولمّا همّ زيدٌ بالرجوع إلى بلاده في نجد ودَّعه النبيّ عليه الصلاة والسلام- وقال بعد أن ودَّعه: أيّ رجُلٍ هذا؟ كم سيكون له من الشأن، لو سلم من وباء المدينة؟ )) .