فهرس الكتاب
فالإنسان أحيانًا يشعر بأمسِّ الحاجة لفهم خصائص اللغة، ذات مرة أحد المتعهدين استلَم مشروعًا، فلمَّا تسلَّم أصحاب المشروع التعهُّد، خصموا منه خمسمئة ألف ليرة، فأقام عليهم دعوى، واحتجَّ بحرف (من) ، ففي دفتر الشروط كتب عليه أن يقدِّم من أجود المواد، فقال: اسألوا مجمع اللغة العربية، هل تعني من أجود المواد أن أقدِّم أجود المواد؟ هذه من: للتبعيض، وربح الدعوى، واسترد المبلغ بشرح حرف (من) الذي كان معناه في النص التبعيض، أيْ بعض.
كلُّكم يعلم هذا القرار الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني: على إسرائيل أن تنسحب من أراضٍ احتُلَّت، ترجمت إلى العربية: من الأراضي المحتلَّة، العرب وافقوا على هذا القرار، لأنه ينصُّ على أن إسرائيل عليها أن تنسحب من كل الأراضي المحتلَّة، والترجمة الإنكليزية أن تنسحب من أراضٍ، فهذا التنكير للتبعيض، اختلف المعنى من الأرض إلى السماء، فاللغة العربية دقيقة جدًا.
وأنا الآن لست في معرض بيان دقائق هذه اللغة، فهو بحثٌ ممتعٌ وطويلُ، فأحيانًا حرف واحد يغيِّر المعنى تغييرًا جذريًا، ألم يسأل الحَجَّاج شخصًا قائلًا له: من أنا؟ قال له: أنت قاسطٌ عادل، فسأل أصحابه: أتدرون ماذا قال لي؟ قالوا له: مدحك، قال: لا، بل قال لي: أنت ظالمٌ كافر، قالوا: وكيف؟ قال: قال تعالى:
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}
(سورة الجن الآية: 15)
المُقسِط هو العادل، أما القاسط فهو الظالم، أما عادل، فقد قال تعالى:
{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}
(سورة الأنعام الآية: 1)
أي عدلوا عن الإيمان إلى الكفر، فهو عادلٌ قاسط.