فهرس الكتاب
على كلٍّ, من علامات إيمان الإنسان، أن يحبَّ اللغة العربية، وأن يحبَّ أهلها، وأن يتعلَّم قواعدها؛ نحوها، وصرفها، وأوزانها، وهذا شيء ممتع، لكني أرى بعض الأخوة، وأشعر أن إيمانهم قوي، وفيهم إخلاص، ولديهم عاطفة جيَّاشة، لكن إذا أرادوا أن يتكلَّموا وجدت كلامهم مضطَّربًا، وعباراتهم غير صحيحة، وجملهم غير متماسكة، لذلك كمن يقدِّم شرابًا نفيسًا بالتعبير العامي (بكيلة مصدِّية) لا يُشرَب بها، شراب نفيس يُقَدَّم في وعاء قمئ، صدئ، قديم، بشع, لكن هذا الذي يقدِّم أثمن شراب بكأسٍ فضّي مثلًا فهو المناسب، فلا بدَّ أن يتناسب المضمون مع الشكل، أنت صاحب دعوة، وأنت مؤمن، فلا بدَّ أن يكون كلامك موزونًا، لذلك: تعلَّموا العربية، فإنَّها من الدين.
أيها الأخوة, ثابت بن قيس الأنصاري، سيدٌ من سادات الخزرج المرموقين، ووجهٌ من وجوه يثرب المعدودين، وكان إلى ذلك ذكيَّ الفؤاد، حاضر البديهة، رائع البيان، جهير الصوت، إذا نطق بزَّ القائلين.
هذا ابن المقفَّع يصف صديقه، فقال: (( لي صديقٌ كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظَّمه في عيني صِغر الدنيا في عينيه، فكان خارجًا عن سلطان بطنه, فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد، وكان خارجًا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلَّم بما لا يعلم، ولا يماري فيما عَلِم، وكان أكثر دهره صامتًا، فإذا تكلَّم بزَّ القائلين، وكان يُرى ضعيفًا مستضعفًا، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليث عاديًا، وكان لا يدلي بحجَّةٍ، إلا إذا رأى قاضيًا فَهْمًا، وشهودًا عدولًا، فعليك بهذه الأخلاق، فإن لم تستطع، فإن أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير ) ).