فهرس الكتاب
وهناك ظاهرة أخرى آلمتني؛ لدينا في جامع النابلسي ديوانان، وعدد مِنَ الكراسي، أحيانًا أُفاجأ أن شبابًا في ريعان شبابهم يجلسون في هذه الأماكن، والأخوة المعذورون الذين تؤلمهم ظهورهم ليس لهم مكان، فإذا أتم الله على أحدكم بنعمة الشباب والحيوية والنشاط، فليس له أي حق في أن يحتل هذه الأمكنة المريحة جدًا، أليس كذلك؟.
خطب زيد بن ثابت بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام خطبةً بليغةً، افتتحها بحمد الله عزَّ وجل، والثناء عليه، والصلاة والسلام على نبيِّه، واختتمها بقوله: (( وإنا نُعاهدك يا رسول الله، على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، ونساءنا، فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الجنَّة- الدليل:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}
(سورة التوبة الآية: 111)
فما كادت كلمة الجنَّة تصافح آذان القوم، حتَّى أشرقت وجوههُم بالفرحة، وزَهتْ قسماتهم بالبهجة، وقالوا: رضينا يا رسول الله، رضينا يا رسول الله )) .
منذ ذلك اليوم، جعل النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس خطيبه، كما كان حسَّان بن ثابت شاعره.
كان له شاعر، وكان له خطيب، فقد كان في الجاهلية قبل الإسلام أعلى منصب رئيس القبيلة، ويليه الشاعر، كمنصب رفيع جدًا، فالشاعر وقتها كان وزير إعلام، ينطق باسم القبيلة، يثني عليها، ويردُّ على خصومها، ويهاجم أعداءها، هكذا كان الشعر.
فصار إذا جاءت النبي وفود العرب لتفاخره، أو تناظره بألسنةٍ فصيحةٍ، ندب النبي لهم ثابت بن قيس، لمصاولة الخطباء، وحسَّان بن ثابت، لمفاخرة الشعراء, وأشرف عمل أن تكون في خدمة الحق، وأعظم عمل أن توظِّف اختصاصك في الحق، وتقول: أنا أختصّ في هذا العمل، فهل لكم حاجة بعملي؟.