فهرس الكتاب
أيها الأخوة, أصْحاب رسول الله حينما رأوا خليفتهم وهو في وقْتٍ عصيبٍ جدًا، وقد علِموا أنَّ أثْمن شيءٍ يمْلِكُهُ المُسْلمون حياةُ أميرهم، فلِذلك اجْتمع أصْحاب رسول الله ولَحِقوا بِعُمَر، وثَنوهُ عن أنْ يقود جَيْشًا بِنَفْسه، وأنَّ حياته الآن في هذا الوقْت العصيب وقْتِ الرِّدة والفِتَن والحُروب والفتوحات هي أثمُن شيءٍ عند المؤمنين، فنزل سيّدنا عمر عند رايِهِم، وقال: (( من تَرَوْن أنْ نبْعث إلى العِراق؟ فصَمَتَ أصْحابُهُ، وراحوا يُفَكِّرون، ثمَّ صاح عبد الرحمن بن عَوْفٍ لقد وَجَدْتُهُ ) ).
بالمُناسبة أصْعَبُ شيءٍ في القِيادة أنْ يخْتار القائِدُ أعْوانه، لأنَّ القائِدَ أجَلُّ مُهِماتِهِ أنْ يخْتار من حَوْله, فإذا كانوا صالِحين صلُحَ بِهِم المُجْتمع، وإذا كانوا فاسِدين فَسَد بهم المُجْتمع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يدْعو اللهَ أنْ يهيِّئ له بِطانةَ خيرٍ، تنْصَحُهُ وتأمُرَهُ وتُخْلِصَ له، سيّدنا عمر أرْسل مرةً والِيًا, وقال: خُذْ عَهْدك، وانْطَلِق إلى عَمَلِك، واعْلم أنَّك مصْروفٌ رأسَ سَنَتِك، وأنَّك تصير إلى أرْبع خِلال، فاخْتر لِنَفْسك, إنْ وَجَدْناك أمينًا ضعيفًا اسْتَبْدَلْناك لِضَعْفِك، وسَلَّمَتْك من مَعَرَّتِنا أمانتُك، وإنْ وَجَدْناك خائِنًا قوِيًا اسْتَهنا بِقُوَّتِك، وأوْجَعْنا ظَهْرك، وأحْسَنا أدَبَك، وإنْ جَمَعْتَ الجُرْمَيْن - الضَّعْفُ والخِيانة - جَمَعْنا عليك المَضَرَّتَين، وإن وجدناك أمينًا قَوِيًا زِدْناك في عمَلِك، ورَفَعْنا لك ذِكْرك، وأَوْطانا لك عَقِبَك، قال تعالى:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
(سورة القصص الآية: 26)