فهرس الكتاب
(( قال عمرُ: من هو؟ قال: الأسد في براثِنِه سعْدُ بن مالك الزهري ) )أيْ سعْدُ بن أبي وقاص، هذا الصحابيّ الجليل يتيهُ على أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم, يتيهُ ليس بِمَعْناها اللغوي وإنما بِمَعْناها المَجازي, فالنبي لما قال: (( لا حسد إلا في اثْنتين ... ) ).
العُلَماء لما فسَّروا هذا الحَسَد, قالوا: الغِبْطة، فإذا كان لك أخٌ يُعْطي عطاء من لا يخْشى الفقْر فأنت تَغْبِطُهُ، أو لك أخٌ يُلْقي على الناسِ عِلْمًا يُؤَثِّرُ فيهم، فأنت تغبطه كذلك، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما دخل عليه سعْدُ بن أبي وقاص يُداعِبُهُ, ويقول: هذا خالي، أروني خالًا مِثْل خالي، ومُداعَبَةُ النبي شيءٌ ثمينٌ، فَمُداعَبَةُ النبي لأصْحابه تعْني أنَّهُ راضٍ عنهم، ورِضاءُ النبي عليه الصلاة والسلام هو عَيْنُ رِضاء الله عز وجل، لأنَّ النبي شفاف، وليس له ذات إطْلاقًا، بل يَشِفٌّ عن الحقيقة الإلهِيَّة، فإذا رضي الله عنك رَضِيَ عنك رسوله وإذا رضِيَ عنك رسوله رضي عنك الله عز وجل، قِياسًا على ذلك إذا كان الفَسَقَة والفَجَرَة يوَدُّونك كثيرًا فلا تفْرح بِهذا أعوذ بالله! هذه وصمة عارٍ، فالمُنْحَرِفون تارِكو الصلاة، آكِلو المال الحرام، الذين يَحْتالون على الناس، فإذا كانت علاقتُكَ بِهؤلاء حميمةً فانْدُبْ حظَّك، إذْ إنَّها وصْمة عارٍ، أما إذا كان المؤمنون الصادِقون يُحِبُّونك، ويُقَدِّرونك، ويَرْعَوْنك فهذه بِشارةُ خير.
لِذلك لا تُصاحِبْ إلا مؤمنًا ولا يأكُل طعامك إلا تقِيّ، دائِمًا ابْتَغِ العِزَّة عند أهْل الإيمان، ولا تبْتَغِها عند أهْل الكُفْر والعِصْيان، فتقْريبُهم لك لا قيمة له، وكلما قرَّبوك منهم أبْعَدوك عن الله، أما أهلُ الإيمان فكلما قَرَّبوك إلَيْهم قرَّبوك إلى الله، لأنَّهُم أيْضًا شفّافون, ولَيْسَتْ لهم نُفوسٌ تكون حِجابًا بينك وبين الله، فكُلَّما قرَّبوك إليهم قَرَّبوك إلى الله.