أما الشيء الذي يدعو للعجب، والشيء الذي لا يُصدق، أنّ هذا الإنسان العاقل الفهِم، الفطن، الذكي، صاحب النسب العريق، صديق النبي الحميم وقريبه، حينما جاء الإسلام، وحينما بُعث نبي الإسلام لم يؤمن به، ولم يصدقه، وبقي على الشرك عشرين عامًا إلى أن فُتحت مكة، فهذا الشيء عجيب حقًّا.
فأنا أيها الأخوة، حين أجد إنسانًا تفكيره محدود، وجاهل، وضائع، ومنحرف، وواقع في المعاصي، فهذا شيء طبيعي جدًا، لأنّ ضعف التفكير يقود إلى كل هذه الحماقات، ضعف التفكير، التخلف العقلي، ضيق الإمكانيات، ضيق الأفق، يقود لكل حماقة، أما والله الذي لا إله إلا هو يشتد عجبي من إنسان ذكي فهيم، يفهم سريعًا، يستوعب كثيرًا, ويكون منحرفًا، أتساءل: يا رب كيف يجتمع هذا العقل الراجح مع هذا السلوك المنحرف؟.
إنسان يتمتع بإمكانات عقلية كبيرة، لا يستقيم على أمر الله، ولا يطلب الجنة، بل يجعل الدنيا أكبر همِّه, ومبلغ علمه، ويبقى في حمأتها، وفي وحلها، وهو ذو العقل الحصيف، هذه مفارقة مزعجة.
كان المظنونُ برجلٍ مثل حكيم بن حزام حباه الله بذاك العقل الراجح، ويسر له تلك القربى من رسول الله عليه صلوات الله، أن يكون أول من يؤمن به، وأول من يصدقه، وأول من يهتدي بهديه.
الإنسان مخير، على الرغم من رجاحة عقله وفطانته، آثر قومه وآثر أن يبقى مع زعماء قريش ومع علية القوم ذوي الضلالة.