أيها الأخوة, وحين دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحًا, انظروا إلى حكمة النبي، إنسان له مكانته ومن علية القوم، عاقل تأخر بالإسلام، فكيف استجلبه؟ أمر النبي عليه الصلاة والسلام مناديه أن ينادي؛ من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدًا عبده ورسوله فهو آمن، ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن, جعل له شأنًا صلى الله عليه وسلم، فأعانه على نفسه، وعلى كبريائه.
كانت دار حكيم بن حزام أسفل مكة، ودار أبي سفيان في أعلاها، وكان النبي حكيمًا أيضًا، تقول مثلًا: مَن يدخل بيت في حيِّ المهاجرين من أهل الشام فهو آمن، وأناس آخرون يسكنون في الجهة المقابلة البعيدة، فاجعلْ لهم بيتًا ثانيًا في ذلك الحيِّ أيضًا، بيت بالشمال، وبيت بالجنوب؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) ), فرحِم الناس أيضًا.
أسلم حكيم بن حزام إسلامًا ملك عليه لبه، وآمن إيمانًا خالط دمه ومازج قلبه، وآلى على نفسه أن يكفِّر عن كل موقف.
هنا اقتدوا بالعقلاء، فالذي قضى صُيوفًا في المعاصي، وفي هذه الصيفية تاب إلى الله، يخاطب ربه: يا رب، أنا كما أمضيتُ تلك العطل فيما لا يرضيك, واللهِ لأمضينَّ غيرَها فيما يرضيك، وما أنفقتُ كثيرَ الأموال على المعاصي والآثام، والله لأنفقنَّ مثلها على الطاعات، وكما صحبتُ أهل الدنيا من أجل دنياهم، والله لأصحبنّ أهل الإيمان من أجل ديني, فالذي تاب إلى الله عز وجل, وانتقل من طور إلى طور، والذي اصطلح مع الله، يناجي ربه هذه المناجاة.